يعد اضطراب الأعراض الجسدية من الاضطرابات النفسية الشائعة والتي تتقاطع فيها الجوانب النفسية والجسدية بشكل معقد، مما يجعله من الحالات التي يصعب على الكثيرين فهمها أو التعامل معها. فالأشخاص الذين يعانون منه يواجهون أعراضًا جسدية مؤلمة أو مزعجة تستمر لفترات طويلة، وتؤثر على جودة حياتهم اليومية، دون أن تفسرها الفحوصات الطبية تفسيرًا كاملًا.
تنبع أهمية فهم اضطراب الأعراض الجسدية من تأثيره الكبير على حياة الفرد وعلاقاته الاجتماعية وأدائه المهني، إضافة إلى أنه يؤدي إلى إرهاق الجهاز الصحي من خلال الفحوصات المتكررة. ومع تزايد الضغوط الحياتية، بات هذا الاضطراب يظهر لدى أعداد أكبر من الأشخاص، مما يستدعي وعيًا أكبر بطبيعته، أسبابه، وطرق التعامل معه.
ويهدف هذا المقال إلى تقديم نظرة علمية مبسطة حول الاضطراب، تساعد الباحث على فهم الصورة كاملة، وتبين أهم الطرق التشخيصية والعلاجية المتاحة، مع التركيز على الوقاية والتدخل المبكر.
مفهوم اضطراب الأعراض الجسدية
اضطراب الأعراض الجسدية هو حالة نفسية تتميز بوجود أعراض جسدية مستمرة ـ مثل الألم أو الإرهاق أو أعراض الجهاز الهضمي ـ لا تتناسب مع الفحوصات الطبية أو تتجاوز التفسير الطبي المعتاد، ويصاحبها انشغال مفرط بالصحة وخوف من الإصابة بأمراض خطيرة.
لا يعني الاضطراب أن الشخص يتظاهر بالمرض؛ بل إن الأعراض حقيقية تمامًا لديه، وسببها الرئيسي تفاعل معقد بين الدماغ والجسم، حيث يؤدي القلق والتوتر الشديدان إلى تضخيم الأحاسيس الجسدية والتسبب في استمرارها. ويتضمن هذا الاضطراب مزيجًا من الأعراض الجسدية والانشغال الذهني بها، بحيث يصبح تركيز الفرد منصبًا على الألم أو الإحساس الجسدي لدرجة تؤثر في حياته اليومية.
وغالبًا ما تكون الأعراض مقلقة بالنسبة للفرد، حتى إذا كانت بسيطة في طبيعتها. كما يظل المصاب يبحث عن إجابات طبية وحلول علاجية، لكنه يشعر بالإحباط عندما لا يجد تفسيرًا واضحًا. ويُصنَّف اضطراب الأعراض الجسدية ضمن اضطرابات القلق المرتبطة بالصحة، والتي تؤثر على وظائف الجهاز العصبي اللاإرادي، ما يؤدي إلى ظهور أعراض جسدية متعددة.
أعراض اضطراب الأعراض الجسدية
تختلف أعراض اضطراب الأعراض الجسدية من شخص لآخر، لكنها غالبًا ما تشمل ألمًا مستمرًا أو شعورًا غير مريح في أجزاء مختلفة من الجسم مثل الظهر، الرأس، المعدة، أو الأطراف، وقد تتنوع شدة هذه الأعراض من خفيفة إلى شديدة. كما قد يعاني الشخص من مشاكل في الجهاز الهضمي مثل الغثيان أو الانتفاخ أو الإسهال، أو أعراض مرتبطة بالجهاز العصبي مثل الدوار أو الخدر أو الشعور بالوخز. وقد تبدو الأعراض في البداية عرضية، لكنها تستمر لفترات طويلة وتصبح جزءًا من حياة المصاب اليومية.
إضافة إلى ذلك، يعاني الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب من قلق شديد حول صحتهم، ويشعرون بأن أعراضهم دليل على مرض خطير حتى بعد التأكيدات الطبية المتكررة. ويصاحب الأعراض عادة انشغال دائم بها، وصعوبة في السيطرة على القلق المرتبط بها، مما يؤدي إلى التردد على الأطباء بكثرة، وإجراء فحوصات كثيرة دون نتائج واضحة. وقد تؤثر هذه الحالات على الأداء في العمل، وتحد من قدرة الشخص على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، كما قد تؤدي إلى اضطرابات النوم نتيجة التفكير المستمر بالأعراض.
غالبًا ما يشعر المصاب بأن الآخرين لا يفهمون حقيقة معاناته، مما يزيد من شعوره بالعزلة والإحباط. ومع مرور الوقت، قد يتطور الأمر إلى خوف مفرط من الأمراض، وعدم الثقة بالطمأنة الطبية، والحاجة المستمرة للبحث عن معلومات صحية، وهو ما يزيد من القلق ويجعل الأعراض أكثر وضوحًا.
أسباب اضطراب الأعراض الجسدية
- عوامل نفسية مثل القلق المزمن، الاكتئاب، أو التعرض لصدمة نفسية.
- التركيز المفرط على الإحساس الجسدي مما يؤدي إلى تضخيم الإشارات الجسدية العادية.
- خلل في معالجة الدماغ للألم بحيث يصبح الدماغ أكثر حساسية للمؤثرات الجسدية.
- التعلم السلوكي من خلال نماذج أسرية تعاني من القلق الصحي.
- التجارب الطبية السلبية مثل المرض الشديد في السابق أو وفاة شخص مقرب.
- الضغوط الحياتية المستمرة مثل المشاكل الاجتماعية أو المهنية.
- الاستعداد الوراثي لبعض اضطرابات القلق المرتبطة بالصحة.
- العوامل البيولوجية مثل اضطراب في تنظيم الجهاز العصبي اللاإرادي.
- غياب الدعم الاجتماعي مما يزيد من التوتر والانشغال بالصحة.
أنواع اضطراب الأعراض الجسدية
- اضطراب الأعراض الجسدية العام: وجود أعراض جسدية متعددة تستمر لفترة طويلة مع انشغال متزايد بالصحة.
- اضطراب الألم: حيث يكون العرض الرئيسي ألمًا مزمنًا دون تفسير طبي واضح.
- اضطراب القلق من المرض (الهيبوكوندريا سابقًا): خوف شديد من الإصابة بمرض خطير رغم عدم وجود أعراض قوية.
- اضطراب التحويل: ظهور أعراض عصبية مثل الشلل أو فقدان الإحساس نتيجة عوامل نفسية.
- اضطراب ما بعد المرض: أعراض جسدية مستمرة بعد الإصابة بمرض حقيقي رغم الشفاء طبيًا.
- اضطراب الجسدنة: ظهور العديد من الشكاوى الجسدية التي تتنقل بين أجهزة الجسم المختلفة.
طرق تشخيص اضطراب الأعراض الجسدية
يعتمد تشخيص اضطراب الأعراض الجسدية على تقييم سريري شامل يجريه طبيب نفسي أو مختص بالصحة النفسية، ويشمل دراسة الأعراض الجسدية ومدتها وشدتها وتأثيرها على حياة الفرد اليومية. يبدأ التشخيص عادة باستبعاد الأسباب الطبية المحتملة، ويتم ذلك من خلال الفحوصات الطبية التي يجريها الطبيب العام أو الاختصاصي. وبعد التأكد من عدم وجود مرض عضوي يفسر الأعراض بشكل كامل، يتم تحويل المريض للتقييم النفسي.
يشمل التشخيص مقابلات مفصلة حول التاريخ الطبي والعائلي والنفسي للمريض، وتقييم نمط التفكير والانشغال بالصحة. كما يتم استخدام مقاييس نفسية معيارية لقياس مستوى القلق، التوتر، ودرجة الانشغال بالأعراض. ويبحث المختص عن علامات معينة مثل المبالغة في تفسير الأعراض البسيطة، أو التردد المستمر على الأطباء، أو تأثير الأعراض على العمل والعلاقات.
ولا يُشخَّص الاضطراب بناءً على وجود أعراض جسدية فقط، بل يجب أن تكون هذه الأعراض مصحوبة بقلق مفرط، أو أفكار غير واقعية حول الإصابة بمرض خطير، أو سلوكيات متكررة تتعلق بالصحة مثل الفحوصات المبالغ بها. كما يتم تقييم تأثير الأعراض على الوظائف اليومية، إذ يعد هذا العامل من أهم المؤشرات التشخيصية. يساعد التشخيص الدقيق في تحديد الخطة العلاجية المناسبة، ويقلل من التداخل بين الاضطراب وبين الأمراض الطبية الحقيقية.
طرق علاج اضطراب الأعراض الجسدية
- العلاج المعرفي السلوكي لتعديل الأفكار غير الواقعية حول الصحة وتقليل التركيز على الأعراض.
- العلاج الدوائي خصوصًا مضادات الاكتئاب والقلق عند وجود أعراض نفسية مصاحبة.
- العلاج النفسي الديناميكي لفهم العوامل العاطفية الكامنة خلف الأعراض.
- التثقيف النفسي لزيادة فهم المريض للعلاقة بين النفس والجسد.
- العلاج السلوكي التعرضي لتقليل الفحوصات الطبية المتكررة والانشغال المرضي بالصحة.
- العلاج الجماعي لمشاركة التجارب والتقليل من الشعور بالعزلة.
- التدخل الأسري لمساعدة الأسرة على التعامل مع المريض بطريقة داعمة.
- برنامج إدارة التوتر عبر تقنيات الاسترخاء والتنفس العميق.
- المتابعة الطبية المنتظمة دون إفراط لإعطاء الاطمئنان وتخفيف القلق.
طرق الوقاية من اضطراب الأعراض الجسدية
تتطلب الوقاية من اضطراب الأعراض الجسدية وعيًا مبكرًا بالعلاقة الوثيقة بين الصحة النفسية والجسدية، والعمل على تعزيز القدرة على التعامل مع الضغوط الحياتية بطريقة صحية. ويعد تطوير مهارات إدارة التوتر أحد أهم عناصر الوقاية، حيث تساعد تقنيات الاسترخاء، والتأمل، وتنظيم التنفس في تقليل حساسية الجسم للإجهاد وتقليل ظهور الأعراض الجسدية المصاحبة له. كما أن تعزيز التواصل الأسري الصحي يساهم في تقليل الميل لعيش القلق بشكل مضخم، ويخلق بيئة داعمة تساعد الأفراد على التعبير عن مشاعرهم بدلًا من تحويلها إلى أعراض جسدية.
كما تساهم الزيارات الطبية المنتظمة—لكن غير المفرطة—في اكتشاف أي مشكلات صحية حقيقية مبكرًا، مما يقلل من القلق المرتبط بالخوف من المرض. ويعد الاهتمام بالصحة النفسية خطوة وقائية أساسية، وتشمل الوقاية من الاكتئاب والقلق، اللذين يزيدان احتمالية ظهور الأعراض الجسدية. كذلك، يساعد التعليم الصحي في المدارس ومكان العمل على نشر الوعي حول كيفية تعامل الجسم مع التوتر، وتفسير الأعراض الجسدية الطبيعية بطريقة واقعية.
وأخيرًا، يعد طلب المساعدة النفسية في وقت مبكر عند ظهور أعراض غير مفسرة أو قلق مبالغ فيه خطوة مهمة تمنع تفاقم المشكلة. فالعلاج المبكر يقلل من ترسخ السلوكيات القلقة المتعلقة بالصحة، ويساعد الشخص على تطوير نمط حياة متوازن يحميه من تحول التوتر اليومي إلى أعراض جسدية مستمرة.
في الختام
اضطراب الأعراض الجسدية هو مثال واضح على التفاعل العميق بين العقل والجسد، حيث يؤدي القلق والانشغال بالصحة إلى أعراض جسدية حقيقية تؤثر بشكل كبير على حياة المصاب. ورغم التحديات التي يفرضها هذا الاضطراب، فإن فهم طبيعته وأساليبه التشخيصية، والوعي بأفضل طرق العلاج، يساعد المصاب على السيطرة على الأعراض وتحسين نوعية حياته. وتظل الوقاية والتدخل المبكر عنصرين أساسيين في الحد من شدة الاضطراب، خاصة عندما يتم توفير الدعم النفسي والاجتماعي اللازم. إن نشر الوعي باضطراب الأعراض الجسدية يسهم في تقليل الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية، ويشجع الأشخاص على طلب المساعدة في الوقت المناسب.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Somatic symptom disorder – Symptoms and causes – Mayo Clinic
Psychiatry.org – What is Somatic Symptom Disorder?
مصادر أكاديمية وطبية
Somatic Symptom Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
Somatic Symptom Disorder: What It Is, Symptoms & Treatment


