اضطراب الشخصية الانفصامية، أو ما يُعرف في الأدبيات الحديثة باسم اضطراب الهوية الانفصالية (DID – Dissociative Identity Disorder)، هو أحد أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا وإثارة للفضول والجدل في آن واحد. يعدّ هذا الاضطراب حالة نفسية تنشأ نتيجة عوامل مؤلمة وعميقة في الطفولة، ويعبر فيها الفرد عن وجود أكثر من هوية أو حالة ذهنية داخلية، لكل منها طريقة تفكير وسلوك وذكريات مختلفة.
وعلى الرغم من أن المشكلة تبدو غريبة وغير مألوفة لكثيرين، فإنها حالة طبية معروفة في الطب النفسي، ولها معايير تشخيصية واضحة وطرق علاج مدروسة. ومع ذلك، لا يزال الكثير من المعلومات حولها مشوشًا لدى العامة بسبب الأفلام أو المبالغات الإعلامية.
مفهوم اضطراب الشخصية الانفصامية
اضطراب الشخصية الانفصامية هو اضطراب نفسي يتسم بوجود انفصال أو انقسام في الهوية الذاتية للفرد، بحيث تظهر هويتان أو أكثر بشكل متناوب، لكل منها نمط مختلف من الإدراك والتفكير والتفاعل مع العالم. يشعر الشخص المصاب وكأنه ينتقل بين “حالات” مختلفة، تحمل كل منها تاريخها الخاص وذكرياتها وطريقة استجابتها للأحداث.
هذا الانفصال ليس مجرد تغيّر مزاجي أو تذبذب في السلوك، بل هو انقسام حقيقي في الإحساس بالذات. قد يشعر الفرد أحيانًا وكأنه يراقب نفسه من الخارج، أو يعيش اللحظة بدون وعي كامل، أو يعجز عن تذكر أجزاء من حياته بشكل متكرر.
تحدث هذه الظاهرة عادةً كردة فعل نفسية دفاعية في مرحلة الطفولة، عندما يتعرض الطفل لصدمات شديدة لا يستطيع تحملها، فيلجأ العقل إلى “تقسيم” الوعي لحماية الذات. وبمرور الزمن، يصبح هذا الانقسام جزءًا من بنيته العقلية، ويستمر حتى البلوغ.
اضطراب الهوية الانفصالية ليس علامة ضعف أو خيال أو تمارض، بل هو اضطراب حقيقي مرتبط بآليات النفس العميقة. ويمكن علاجه بطريقة واضحة وممنهجة عند التشخيص الصحيح.
أعراض اضطراب الشخصية الانفصامية
تظهر أعراض اضطراب الشخصية الانفصامية بشكل متنوع قد يختلف من شخص لآخر، ولكن القاسم المشترك بينها هو تشتت الهوية وفقدان الذاكرة والانفصال عن الواقع. يعيش الشخص المصاب في حالة داخلية من الازدواجية أو الانقسام، بحيث يرى نفسه أحيانًا وكأنه أكثر من شخص واحد. قد يشعر بأن هناك “أصواتًا” داخلية تمثل شخصيات أخرى، أو يجد نفسه يقوم بسلوكيات لا يذكر أنه قام بها. وقد تُلاحظ عليه تبدلات مفاجئة في طريقة الكلام أو الحركة أو القرارات أو الاهتمامات، وكأن شخصًا آخر قد حلّ مكانه.
كما يعاني كثير من المصابين من فترات فقدان ذاكرة جزئي تشمل تفاصيل يومية بسيطة أو أحداثًا مهمة في حياتهم، وقد يستيقظون في أماكن أو مواقف لا يعرفون كيف وصلوا إليها. ويشعر البعض بوجود انفصال عن أجسادهم أو مشاعرهم، كأنهم يشاهدون فيلمًا لا يعيشونه، وهي حالة تُعرف بالاغتراب عن الذات.
بالإضافة إلى ذلك، ترتبط هذه الأعراض غالبًا بالقلق والاكتئاب واضطرابات النوم، وقد يعاني المصابون من أحلام مزعجة متكررة أو نوبات هلع نتيجة الشعور بفقدان السيطرة. وفي الحالات الشديدة، قد يؤدي الاضطراب إلى صعوبات في العلاقات والعمل والدراسة، نظرًا لاختلاف سلوكيات الشخص تبعًا للحالة التي تتولى «التحكم» في تلك اللحظة.
أسباب اضطراب الشخصية الانفصامية
تتعدد الأسباب المحتملة لاضطراب الشخصية الانفصامية، وتشير الدراسات إلى مجموعة من العوامل:
- التعرّض لصدمات شديدة في الطفولة، مثل الاعتداء الجسدي أو النفسي أو الجنسي.
- الإهمال العاطفي الحاد خلال سنوات الطفولة المبكرة.
- التعرض لصدمات مستمرة، مثل العيش في بيئة مليئة بالعنف أو الخوف.
- ضعف الروابط الأسرية وعدم وجود بالغ داعم في حياة الطفل.
- الميل الوراثي لاضطرابات الانفصال أو القابلية النفسية للاستجابات الدفاعية.
- حالات نادرة من الصدمات الجسدية أو الحوادث المؤلمة الشديدة.
أنواع اضطراب الشخصية الانفصامية
يصنّف اضطراب الشخصية الانفصامية إلى عدة أنماط أو مظاهر، أبرزها:
- اضطراب الهوية الانفصالية (DID): وجود هويتين أو أكثر تتناوبان على التحكم بالسلوك.
- الشرود الانفصالي: فقدان الذاكرة مع الانتقال إلى مكان جديد وانقطاع الهوية بشكل مؤقت.
- فقدان الذاكرة الانفصامي: صعوبة تذكر أحداث مهمة دون وجود سبب طبي واضح.
- اضطراب تبدد الشخصية/الواقع: الشعور بالانفصال عن النفس أو البيئة بدون تعدد في الهويات.
- اضطرابات انفصالية غير محددة: حالات لا تستوفي معايير الأنواع السابقة لكنها تتضمن انفصالًا ملحوظًا.
طرق تشخيص اضطراب الشخصية الانفصامية
يعتمد تشخيص اضطراب الشخصية الانفصامية على تقييم نفسي شامل يقوم به طبيب مختص في الطب النفسي أو الأخصائي النفسي السريري. ويبدأ التشخيص عادةً بمقابلات تفصيلية تركز على تاريخ الشخص النفسي والطفولي، والأعراض الحالية، والظروف التي ظهرت فيها. يستخدم الأطباء أدوات وتشخيصات معتمدة مثل DSM-5 لتحديد ما إذا كانت الأعراض تتوافق مع اضطراب الهوية الانفصالية.
من المهم استبعاد الأسباب الطبية مثل الإصابات الدماغية أو الأمراض العصبية التي قد تؤدي إلى فقدان الذاكرة. كما يجب التفريق بين الاضطراب وبين الحالات الأخرى كاضطراب الشخصية الحدّية أو الاضطرابات الذهانية.
وغالبًا ما يتطلب التشخيص ملاحظة السلوك عبر عدة جلسات، لأن تغيّر الهوية قد لا يظهر دائمًا بشكل مباشر. وفي بعض الحالات، يستعين الأطباء بالمعلومات التي يقدمها الأقارب أو أفراد الأسرة للمساعدة في رؤية التغييرات السلوكية التي قد لا يلاحظها الشخص نفسه.
طرق علاج اضطراب الشخصية الانفصامية
العلاج لا يهدف لإزالة الهويات ولكنه يركز على دمجها وتقليل سيطرتها. ومن أبرز طرق العلاج:
- العلاج النفسي (العلاج بالكلام): وهو الأساس في علاج الاضطراب، ويشمل الاستكشاف التدريجي للذكريات الصادمة وبناء هوية متكاملة.
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يساعد في التعامل مع الأفكار المشوهة وتنظيم الاستجابات الانفعالية.
- العلاج الجدلي السلوكي (DBT): فعّال لتقليل الانفعالات الشديدة وتحسين مهارات التأقلم.
- العلاج بالتعرض التدريجي: يستخدم بحذر للمساعدة في معالجة الصدمات بطريقة آمنة.
- العلاج الأسري: مهم لتعليم الأسرة كيفية دعم المصاب وتقليل سوء الفهم.
- الأدوية: لا تعالج الاضطراب مباشرة لكنها تعالج الأعراض المصاحبة مثل القلق والاكتئاب.
- تقنيات الاسترخاء وتنظيم المشاعر: مثل اليقظة الذهنية وتمارين التنفس.
طرق الوقاية من اضطراب الشخصية الانفصامية
تعدّ الوقاية من اضطراب الشخصية الانفصامية تحديًا، نظرًا لارتباطه غالبًا بصدمات الطفولة التي يصعب التنبؤ بها، إلا أن هناك طرقًا فعالة للحد من احتمال حدوثه. أهم خطوات الوقاية تتمثل في توفير بيئة آمنة وداعمة للأطفال، حيث تلعب الأسرة دورًا محوريًا في حماية الطفل من الصدمات وتعزيز قدرته على مواجهة الضغوط.
كما يساعد التعرف المبكر على علامات الإهمال أو سوء المعاملة في التدخل السريع. ويعد دعم الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وتوفير الدعم العاطفي، وتعليمهم مهارات التعبير عن مشاعرهم، من أساليب الوقاية المهمة. إضافة إلى ذلك، فإن نشر الوعي حول أهمية العناية النفسية وطلب المساعدة عند التعرض لصدمات، يساعد على الحد من تطور اضطرابات الانفصال في المستقبل.
في الختام
اضطراب الشخصية الانفصامية ليس مجرد حالة نادرة تظهر في الأفلام أو الروايات، بل هو اضطراب نفسي حقيقي ومعقد يؤثر في حياة المصاب بشكل عميق. وعلى الرغم من صعوبته، فإن فهمه بدقة يساعد على التعامل معه بشكل أفضل، سواء بالنسبة للمصاب أو لعائلته أو للعاملين في مجال الصحة النفسية.
ومع توفر العلاج النفسي الفعال، يمكن للعديد من المصابين أن يصلوا إلى استقرار نفسي وتحسن كبير في السيطرة على الأعراض، بل وفي كثير من الحالات تحقيق مستوى عالٍ من التكيف وجودة الحياة.
إن التوعية بهذا الاضطراب خطوة مهمة نحو كسر الوصمة، وتعزيز الثقافة الصحية، ودعم الأشخاص الذين يعانون في صمت دون معرفة أن حالتهم قابلة للعلاج. ويبقى الهدف الأسمى هو توفير المعرفة العلمية المبسّطة، لتمكين الباحثين والقراء من فهم هذا الاضطراب بصورة صحيحة وأكثر إنسانية.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Dissociative Identity Disorder (DID): Symptoms & Treatment
Dissociative disorders – Symptoms and causes – Mayo Clinic
مصادر أكاديمية وطبية
Dissociative Identity Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
مقالات ومصادر متعمقة
psychiatry.org/patients-families/dissociative-disorders/what-are-dissociative-disorders


