يُعد اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال من أكثر الاضطرابات النفسية التي قد تواجه الأطفال في مراحل النمو الأولى، إذ يُلاحظ عادة في مرحلة الطفولة المبكرة عند بدء الطفل بالاعتماد على نفسه والتعامل مع العالم الخارجي بعيدًا عن الوالدين أو مقدم الرعاية الأساسي. وعلى الرغم من أن القلق عند الانفصال جزء طبيعي من تطور الطفل، فإن وصوله إلى درجة تسبب إعاقة واضحة في حياة الطفل الأسرية والاجتماعية والتعليمية يجعل منه اضطرابًا يحتاج إلى تدخل متخصص.
وتنبع أهمية فهم هذا الاضطراب من أن آثاره لا تقتصر على الحاضر فقط، بل قد تمتد إلى المستقبل وتجعل الطفل عرضة لاضطرابات قلق أخرى في مراحل لاحقة من حياته. كما أن عدم التدخل قد يؤدي إلى مشكلات أكاديمية واجتماعية، مما يؤثر على قدرته على بناء علاقات صحية مع أقرانه ومع الكبار من حوله.
ويزداد الاهتمام العلمي بهذا الاضطراب مع تزايد انتشار الضغوط الحياتية وارتفاع معدلات القلق داخل الأسر، مما يجعل فهمه ضرورة لكل والد وأخصائي ومعلم يسعى لدعم الطفل نفسيًا وتعزيز توازنه العاطفي.
مفهوم اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال
اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال هو حالة نفسية تتميز بخوف مفرط وغير متناسب من الانفصال عن الشخص الذي يمثل مصدر الأمان للطفل، سواء كان أحد الوالدين أو مقدّم الرعاية. ويمتد هذا الخوف إلى مواقف مختلفة، وقد يظهر حتى عند التفكير فقط في الانفصال، وليس فقط عند حدوثه فعليًا. وفي حين يُعد القلق الطبيعي جزءًا من التطور، فإن التحول إلى اضطراب يحدث عندما يكون الخوف شديدًا ومبالغًا فيه مقارنة بالعمر، ويستمر لمدة طويلة، ويؤثر على الوظائف اليومية للطفل.
ويرتبط هذا الاضطراب بشعور داخلي بعدم الأمان، وغالبًا ما يترافق مع أفكار مثل احتمال فقدان الوالدين أو تعرضهم للخطر، أو أن يحدث للطفل نفسه مكروه أثناء غيابهم. ويظهر في سلوكيات عديدة مثل التمسّك الشديد، والبكاء المتواصل، والرفض القاطع للمدرسة، وصعوبة النوم المنفرد، والقلق المستمر عند غياب الوالدين.
أعراض اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال
تظهر أعراض اضطراب القلق من الانفصال لدى الأطفال بصور متعددة تتراوح بين الانفعالية والسلوكية والجسدية، مما يعكس تأثير الاضطراب في الجوانب كافة لنمو الطفل. ومن أبرز مظاهر هذا الاضطراب شعور الطفل بخوف مفرط من أن يفقد والديه أو أن يتعرضا لأذى، حتى دون وجود سبب منطقي.
وقد يُلاحظ أن الطفل يبقى يقظًا طوال الوقت، يسأل مرارًا عن مكان والديه، ويتخيل سيناريوهات مقلقة مثل تعرضهم لحوادث أو أمراض خطيرة. وعند مواقف الانفصال، سواء عند الذهاب للمدرسة أو تركه مع الأقارب أو في الروضة، قد يدخل الطفل في نوبات بكاء حادة، أو يتشبث بوالديه بشكل يصعب معه تهدئته.
ولا تقتصر الأعراض على الجانب العاطفي فحسب، بل تظهر أيضًا في هيئة شكاوى جسدية متكررة مثل الصداع وآلام المعدة والغثيان، خاصة في الصباح قبل الذهاب إلى المدرسة، وهي أعراض يعبّر الطفل من خلالها عن قلقه بطريقة جسدية.
ويعاني بعض الأطفال من كوابيس أو صعوبة في النوم، وقد يرفضون النوم منفردين لأجل أن يكونوا بالقرب من الوالدين طوال الليل. كما يواجه الطفل صعوبة في المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، ويتجنب الذهاب إلى المناسبات أو اللعب مع أقرانه خوفًا من الانفصال، مما يحد من نمو مهاراته الاجتماعية.
وفي الحالات الأكثر شدة، قد يصل القلق إلى حدّ محاولة الهروب من المدرسة أو رفض الدخول إليها بشكل متكرر، إضافة إلى ضعف التركيز وفقدان الشهية، وهي كلها علامات تستدعي ملاحظة دقيقة وتدخلًا مبكرًا.
أسباب اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال
- عوامل وراثية قد تزيد من قابلية الطفل لتطوير اضطرابات القلق.
- أساليب تربوية تعتمد على الحماية الزائدة مما يمنع الطفل من اكتساب الاستقلالية.
- التعرّض لحدث صادم مثل فقدان أحد أفراد العائلة أو انفصال الوالدين أو المرض المفاجئ.
- تغيرات مفاجئة في حياة الطفل كبدء المدرسة، الانتقال إلى منزل جديد، أو استقبال مولود جديد.
- ارتفاع مستويات القلق لدى الوالدين مما ينتقل للطفل عبر التقليد أو الارتباط العاطفي.
- ضعف تكوين روابط آمنة في السنوات الأولى بسبب غياب أحد الوالدين أو عدم الاستقرار الأسري.
- تجارب انفصال سابقة صعبة مثل دخول المستشفى لفترات طويلة أو البقاء بعيدًا عن الأسرة.
- العوامل البيولوجية المرتبطة بكيمياء الدماغ وتنظيم القلق.
- التعرض للتوتر المستمر داخل الأسرة مثل الخلافات أو المشاكل الاقتصادية.
أنواع اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال
- القلق من الانفصال المرتبط بالمدرسة ويظهر عند رفض الذهاب إلى المدرسة أو الهروب منها.
- القلق أثناء النوم الليلي إذ يخاف الطفل من النوم وحده أو يخشى حدوث مكروه أثناء الليل.
- القلق المرتبط بالخوف من فقدان الوالدين عبر تخيّل حوادث أو مخاطر تهددهم.
- القلق الناتج عن أحداث صادمة مثل فقدان شخص قريب أو التعرض لحادث.
- القلق المزمن طويل الأمد المتداخل مع اضطرابات قلق أخرى.
- القلق الاجتماعي المرتبط بالانفصال حيث يخاف الطفل من التفاعل دون وجود والديه.
طرق تشخيص اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال
تتم عملية تشخيص اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال عبر خطوات دقيقة تشمل جمع معلومات واسعة حول تاريخ الطفل وسلوكياته في مواقف متعددة. يبدأ الأخصائي بإجراء مقابلات مفصّلة مع الوالدين للاستفسار عن بداية ظهور الأعراض ومدى استمرارها وتأثيرها على روتين الطفل اليومي.
ويُستخدم في التشخيص ملاحظة مباشرة لسلوكيات الطفل، وتقييم طريقة تعامله مع مواقف الانفصال داخل الجلسة أو عبر تقارير المدرسة. كما يلجأ الأخصائي إلى مقاييس معيارية لاضطرابات القلق تقيس شدة الخوف والانزعاج. ومن المهم التمييز بين القلق الطبيعي المرتبط بمرحلة النمو وبين الاضطراب الذي يعيق الحياة اليومية.
ويشترط التشخيص استمرار الأعراض لمدة لا تقل عن أربعة أسابيع لدى الأطفال، مع التأكد من أن الأعراض ليست ناجمة عن اضطراب آخر أو حدث مؤقت. ويتضمن التشخيص أيضًا دراسة العلاقات الأسرية، ومدى دعم الوالدين، وطبيعة الروتين اليومي للطفل، إضافة إلى فحص القدرات المعرفية والسلوكيات العاطفية، مما يساعد في وضع خطة علاجية ملائمة لكل حالة.
طرق علاج اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يُعد الخيار العلاجي الأول، حيث يساعد الطفل على فهم مخاوفه وإعادة صياغة أفكاره السلبية.
- العلاج بالتعرض التدريجي: يُساعد الطفل على مواجهة الانفصال بشكل تدريجي ومدروس، مما يقلل القلق على المدى البعيد.
- تعليم مهارات الاسترخاء: مثل التنفس العميق، شد وإرخاء العضلات، وتقنيات خفض التوتر.
- تدريب الوالدين: لأن دورهما محوري في عدم تعزيز السلوك القَلِقي ومساعدة الطفل على بناء الثقة.
- العلاج الأسري: لتحسين العلاقات الأسرية وتخفيف التوتر داخل المنزل.
- التعاون مع المدرسة: عبر إعداد خطة دعم للطفل تشمل تقليل الضغوط وتوفير بيئة آمنة.
- العلاج عبر اللعب: وهو أسلوب فعال للأطفال الأصغر سنًا للمساعدة على التعبير عن المخاوف.
- استخدام الدواء عند الضرورة: تحت إشراف طبيب مختص وفي الحالات الشديدة فقط.
طرق الوقاية من اضطراب القلق من الانفصال
تعتمد الوقاية من اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال على بناء علاقة آمنة ومتوازنة بين الطفل ووالديه منذ السنوات الأولى، بحيث يشعر الطفل بالطمأنينة من جهة، ويكتسب مهارات الاستقلالية من جهة أخرى. ويُعد تعزيز الثقة بالنفس أحد أهم وسائل الوقاية، وذلك من خلال منح الطفل الفرص لخوض تجارب بسيطة دون وجود الوالدين، مثل اللعب مع أقرانه أو المشاركة في أنشطة قصيرة.
كما يساعد التحضير المسبق للمواقف الجديدة مثل دخول الروضة أو المدرسة في تقليل مستوى القلق، إذ يشعر الطفل بالأمان عندما يعرف ما الذي ينتظره. وقد يكون لأسلوب الوالدين أثر كبير في الوقاية؛ فالحماية الزائدة قد تعزز خوف الطفل، بينما التشجيع المتدرج يرفع قدرته على التكيف.
كما يجب تجنب نقل القلق للطفل عبر المبالغة في التحذيرات أو إظهار القلق أمامه، لأن الأطفال يلتقطون المشاعر بسهولة. وتساعد الروتينات اليومية المنتظمة على خلق بيئة مستقرة تقلل من احتمالية ظهور القلق. وبشكل عام، فإن التواصل المفتوح والإنصات لمشاعر الطفل واحترام مخاوفه دون الاستهزاء بها يشكلان أساسًا لحماية الطفل من تطوير الاضطرابات الانفعالية.
في الختام
اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال يعد من الاضطرابات المنتشرة التي يمكن علاجها بسهولة عندما يتم التعرف عليها مبكرًا وفهم طبيعتها جيدًا. ومن خلال دعم الوالدين، والتدخل العلاجي الصحيح، وخلق بيئة تربوية آمنة، يمكن للطفل أن يتجاوز القلق ويطور استقلاليته بشكل صحي. إن فهم هذا الاضطراب لا يخدم الطفل وحده، بل يساعد الأسرة بأكملها على بناء علاقة أكثر أمانًا ومرونة. وفي النهاية، فإن نشر الوعي حول اضطراب القلق من الانفصال عند الأطفال يعد خطوة أساسية لضمان صحة نفسية أفضل للأطفال، ودعامة قوية لمستقبلهم العاطفي والاجتماعي.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Separation anxiety disorder – Symptoms and causes – Mayo Clinic
Separation Anxiety Disorder: What It Is, Symptoms & Treatment
مصادر أكاديمية وطبية
Separation Anxiety Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
Anxiety disorders in children – NHS
مقالات ومصادر متعمقة
Separation Anxiety Disorder in Children – Stanford Medicine Children’s Health


