اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية: أسبابه وطرق علاجه

يُعدّ التواصل اللغوي حجر الأساس في تطوّر الإنسان، إذ يمكّنه من التعبير عن احتياجاته وأفكاره ومشاعره والتفاعل مع الآخرين. لذلك فإنّ أي اضطراب يؤثر على قدرة الفرد في استقبال اللغة أو التعبير بها يُشكّل تحديًا كبيرًا في حياته اليومية والاجتماعية والتعليمية.

من أبرز هذه الاضطرابات ما يُعرف بـ اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية، وهو أحد الاضطرابات النمائية التي تظهر في مرحلة الطفولة المبكرة، وتتمثل في صعوبة فهم اللغة المنطوقة أو المكتوبة (الجانب الاستقبالي)، وصعوبة إنتاج اللغة واستخدامها بشكل صحيح (الجانب التعبيري).

تنبع أهمية هذا الاضطراب من تأثيره العميق على تطوّر الطفل المعرفي والاجتماعي والانفعالي، إذ يمكن أن يؤدي إلى تأخر دراسي ومشكلات في التفاعل الاجتماعي وفقدان الثقة بالنفس إن لم يتم تشخيصه وعلاجه في الوقت المناسب.

تهدف هذه المقالة إلى تقديم شرح علمي مبسّط وشامل حول هذا الاضطراب من حيث المفهوم، الأعراض، الأسباب، الأنواع، التشخيص، وطرق العلاج والوقاية، بما يساعد القارئ والباحث على فهم الموضوع من منظور علمي وطبي معاصر.

مفهوم اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية

اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية هو اضطراب نمائي في مهارات اللغة يُصيب الأطفال عادة منذ السنوات الأولى من حياتهم، ويؤثر على قدرتهم في فهم اللغة (الاستقبال) والتعبير بها (الإنتاج).

بمعنى آخر، الطفل المصاب يجد صعوبة في فهم ما يُقال له أو في تفسير المعاني الدقيقة للكلمات والجمل، كما يجد صعوبة في استخدام اللغة بشكل سليم للتعبير عن أفكاره أو رغباته. هذا الاضطراب لا يُعزى إلى ضعف في السمع أو التخلف العقلي أو اضطرابات طيف التوحد بالضرورة، بل هو اضطراب نوعي في معالجة اللغة نفسها داخل الدماغ.

يُعرف أيضًا في بعض المراجع باسم اضطراب اللغة المختلط (Mixed receptive-expressive language disorder)، ويُعدّ جزءًا من اضطرابات التواصل المحددة وفق التصنيف الأمريكي للأمراض النفسية والعقلية DSM-5.

الأطفال المصابون بهذا الاضطراب قد يمتلكون ذكاءً طبيعياً ولكنهم يعانون من فجوة واضحة بين قدراتهم المعرفية العامة وقدرتهم اللغوية. لذلك، يُعتبر التشخيص المبكر والتدخل العلاجي المتخصص أساسياً لتجنب تفاقم المشكلة وتأثيرها على التحصيل الدراسي والتفاعل الاجتماعي.

أعراض اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية

تختلف أعراض اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية باختلاف عمر الطفل وشدة الاضطراب، لكنها تتسم بمجموعة من العلامات التي تشير إلى صعوبة في فهم اللغة والتعبير بها في آنٍ واحد.

في الجانب الاستقبالي، يظهر على الطفل بطء في فهم التوجيهات اللفظية أو الأوامر البسيطة، وقد يكرر السؤال عدة مرات أو يبدو غير مستجيب لما يُقال له، رغم سلامة حاسة السمع. كما يواجه صعوبة في تتبع القصص أو فهم معاني الكلمات الجديدة أو العلاقات اللغوية بين الجمل. أما في الجانب التعبيري، فيلاحظ الأهل أو المعلمون أن الطفل يستخدم كلمات محدودة أو تراكيب لغوية بسيطة وغير مكتملة، وقد يرتكب أخطاء نحوية وصرفية متكررة.

يجد الطفل صعوبة في سرد قصة أو وصف موقف، وغالبًا ما يعاني من الإحباط عند محاولته التواصل لأن الآخرين لا يفهمونه جيدًا. في سن المدرسة، تظهر انعكاسات هذا الاضطراب على الأداء الأكاديمي، خصوصًا في القراءة والكتابة وفهم النصوص والتعليمات. كما يمكن أن يؤدي إلى عزلة اجتماعية وانخفاض في تقدير الذات نتيجة الفشل في التفاعل مع الأقران.

أسباب اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية

  • عوامل وراثية: تشير الأبحاث إلى وجود استعداد جيني لاضطرابات اللغة، حيث يُلاحظ انتشارها في بعض العائلات.
  • خلل في تطور الدماغ: خصوصاً في المناطق المسؤولة عن معالجة اللغة مثل الفص الصدغي والجبهي.
  • اضطرابات عصبية: مثل إصابات الدماغ أو نقص الأكسجين أثناء الولادة أو بعدها.
  • العوامل البيئية: كقلة التحفيز اللغوي أو محدودية التفاعل اللفظي بين الطفل ومحيطه.
  • اضطرابات في السمع المبكر: حتى وإن تم علاجها لاحقًا، قد تؤثر على تطور اللغة في المراحل الأولى.
  • التأخر النمائي العام: الذي قد يشمل تأخراً في المهارات الحركية والمعرفية إلى جانب اللغة.
  • العوامل النفسية والاجتماعية: مثل الإهمال العاطفي أو الصدمات المبكرة التي تؤثر في تطور التواصل.

أنواع اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية

  • اضطراب اللغة الاستقبالية (فقط): حيث يعاني الطفل من صعوبة في فهم اللغة رغم قدرته على التحدث نسبياً.
  • اضطراب اللغة التعبيرية (فقط): يكون الفهم جيداً نسبياً، بينما تظهر المشكلة في إنتاج اللغة واستخدامها.
  • الاضطراب المختلط (الاستقبالي التعبيري): وهو الشكل الأكثر شمولاً، إذ يتأثر الفهم والإنتاج معاً بدرجات متفاوتة.
  • الاضطراب النمائي مقابل المكتسب: النمائي يظهر منذ الطفولة دون سبب واضح، بينما المكتسب يحدث بعد إصابة دماغية أو مرض عصبي.

طرق تشخيص اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية

يُعدّ التشخيص الدقيق حجر الأساس في التعامل مع اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية، ويتم عادةً من قبل أخصائي النطق واللغة بالتعاون مع الطبيب النفسي أو طبيب الأعصاب للأطفال.

تبدأ العملية بجمع تاريخ شامل عن نمو الطفل اللغوي، وتطور قدراته السمعية والمعرفية والاجتماعية. يُجرى فحص للسمع لاستبعاد أي مشكلات سمعية كامنة، يلي ذلك تقييم لغوي مفصل باستخدام اختبارات مقنّنة لقياس قدرات الفهم والتعبير مقارنة بالمستوى العمري المتوقع.

تشمل هذه الاختبارات تقييم المفردات، وبناء الجمل، والفهم السمعي، والاستيعاب البصري اللغوي. كما يتم تحليل عيّنات من كلام الطفل أثناء اللعب أو الحوار لمعرفة طبيعة الأخطاء اللغوية.

من الضروري أيضاً استبعاد وجود اضطرابات أخرى قد تتشابه في الأعراض مثل اضطرابات طيف التوحد، أو صعوبات التعلم، أو التخلف العقلي. يُعتمد في التشخيص على المعايير الدولية مثل DSM-5، التي تشترط أن تكون الصعوبات اللغوية ملحوظة وتؤثر في الأداء الأكاديمي والاجتماعي، وألا تكون نتيجة لعوامل حسية أو عقلية أو بيئية بحتة.

طرق علاج اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية

  • العلاج النطقي واللغوي الفردي: وهو الركيزة الأساسية، ويهدف إلى تنمية مهارات الفهم والتعبير عبر جلسات مخصصة تعتمد على اللعب والتفاعل اللفظي.
  • العلاج الجماعي: من خلال مجموعات أطفال يعانون مشكلات مشابهة لتحفيز التواصل الاجتماعي وتحسين اللغة العملية.
  • تدريب الأسرة: لتعليم الوالدين أساليب دعم اللغة في المنزل، مثل التحدث بوضوح، وتكرار الجمل، وتشجيع الطفل على التعبير.
  • التدخل المبكر: كلما بدأ العلاج في سن مبكرة كانت النتائج أفضل في تحسين القدرات اللغوية والمعرفية.
  • العلاج بالوسائط المساندة: مثل الصور والإشارات وأجهزة التواصل الإلكتروني، لدعم الفهم والتعبير.
  • العلاج النفسي السلوكي: في حال ترافق الاضطراب مع قلق أو إحباط أو مشاكل سلوكية.
  • الدعم التربوي المدرسي: من خلال معلمين مدربين على التعامل مع اضطرابات اللغة وتكييف المناهج حسب احتياجات الطفل.
  • المتابعة الدورية: لتقييم التحسن وتعديل الخطة العلاجية وفق تطور الحالة.

طرق الوقاية من اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية

تبدأ الوقاية من اضطرابات اللغة منذ المراحل الأولى للحمل والطفولة المبكرة عبر الاهتمام بالنمو العصبي والمعرفي للطفل. ينبغي للوالدين التفاعل اللفظي المستمر مع الطفل منذ الأشهر الأولى عبر الحديث والغناء والقراءة بصوت مرتفع، إذ تساعد هذه الأنشطة على تنشيط مناطق الدماغ المسؤولة عن اللغة.

كما أن الكشف المبكر لأي تأخر لغوي في السنوات الأولى يتيح التدخل العلاجي قبل تفاقم المشكلة. تجنّب التعرض للمشكلات العصبية والسمعية عبر المتابعة الطبية المنتظمة يُعد من أهم إجراءات الوقاية، إضافة إلى تهيئة بيئة غنية بالمحفزات اللغوية والاجتماعية.

في مرحلة المدرسة، يجب مراقبة الأداء الأكاديمي للطفل وعدم إهمال أي صعوبات لغوية تظهر في القراءة أو الكتابة أو الفهم، لأن التدخل المبكر يمنع تراكم الفجوات اللغوية.

في الختام

اضطراب اللغة الاستقبالية التعبيرية ليس مجرد تأخر بسيط في الكلام، بل هو اضطراب معقد يتطلب فهماً دقيقاً وتشخيصاً متكاملاً وعلاجاً طويل الأمد. ورغم أن هذه الحالة قد تبدو مقلقة للأهل، إلا أن الأمل كبير في التحسن مع العلاج المبكر والدعم الأسري المناسب. يُظهر العديد من الأطفال تطوراً ملحوظاً في قدراتهم اللغوية والاجتماعية عندما يتلقون الرعاية المناسبة من أخصائي النطق واللغة، ويعيشون في بيئة غنية بالتواصل والتفاعل.

من المهم أن يدرك الأهل والمعلمون أن الصبر والتعاون مع الفريق العلاجي هما المفتاح لنجاح الخطة العلاجية وتحقيق أفضل النتائج. فكل كلمة جديدة يتعلمها الطفل تمثّل خطوة نحو عالم أوسع من الفهم والتعبير، وعندما نفهم نحن اضطرابه بشكل علمي وإنساني، نمنحه فرصة حقيقية للنمو والازدهار.

المصادر المستعملة لكتابة المقال

منظمات دولية وهيئات طبية

Language Disorders – Children’s Hospital of Orange County

Language Disorders: Types, Causes & Treatment

مصادر أكاديمية وطبية

Mixed Receptive-Expressive Language Disorder | Conditions | Cortica

Expressive vs. Receptive Language | TherapyWorks

مقالات ومصادر متعمقة

Receptive Language Disorder Strategies to Improve Speech | Maryville Online

عمر مختار

لا يوجد نبذة عن الكاتب بعد.

عرض مقالات الكاتب →

تقييم المقال

لا يوجد تقييمات بعد — كن أول من يقيّم.

تعليق واحد

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر عدد النجوم ثم اكتب تعليقك.

دعم واتساب رد سريع خلال دقائق