اضطراب المزاج الدوري: مفهومه، أسبابه وطرق علاجه

يُعد اضطراب المزاج الدوري واحدًا من الاضطرابات المزاجية التي تندرج ضمن طيف الاضطراب ثنائي القطب، إلا أنه يتميز بنمط أخف حدة وأكثر استمرارية من التقلبات المزاجية. وبرغم كونه أقل شدة من الهوس والاكتئاب الكاملين، فإنه يؤثر بشكل عميق على نوعية حياة الفرد، وقدرته على أداء مهامه اليومية، والحفاظ على علاقاته الاجتماعية والمهنية.

تكمن أهمية دراسة اضطراب المزاج الدوري في أنه اضطراب مزمن يتصف بتقلبات مزاجية متواصلة، ويحتاج إلى إدارة طويلة الأمد وليس إلى علاج قصير المدى. لذلك فإن فهم طبيعته وأعراضه وأسبابه وطرق تشخيصه وعلاجه يُعد خطوة أساسية لتمكين المصابين وعائلاتهم من التعامل معه بوعي وفعالية.

مفهوم اضطراب المزاج الدوري

اضطراب المزاج الدوري، أو Cyclothymic Disorder، هو اضطراب مزاجي يتميز بتقلبات مستمرة بين فترات من المزاج المرتفع الخفيف (يشبه الهوس الخفيف) وفترات من المزاج المنخفض الخفيف (يشبه الاكتئاب الخفيف)، بحيث لا تصل شدة الأعراض إلى المستوى الكامل للاضطراب ثنائي القطب بنوعيه الأول أو الثاني. تستمر هذه التقلبات على مدى عامين على الأقل لدى البالغين، أو سنة واحدة لدى الأطفال والمراهقين، وتكون متكررة ومستمرة إلى حد كبير، مع وجود فترات قصيرة جدًا من الاستقرار المزاجي.

أعراض اضطراب المزاج الدوري

تتسم أعراض اضطراب المزاج الدوري بأنها متقلبة لكنها خفيفة مقارنة بالأعراض الشديدة للاضطراب ثنائي القطب. إذ ينتقل الشخص المصاب بشكل مستمر بين فترات من المزاج المرتفع الخفيف وفترات من المزاج المنخفض، مع عدم وصول الأعراض إلى مستوى نوبة هوس أو نوبة اكتئاب كبرى. ففي الجانب المرتفع من المزاج، قد يشعر الفرد بزيادة في النشاط، والاندفاع، والبهجة غير المبررة، والثقة الزائدة بالنفس، مع قلة الحاجة للنوم وزيادة الإنتاجية أو الثرثرة.

ورغم ذلك، لا تكون هذه الأعراض قوية إلى درجة تتسبب بفقدان السيطرة أو التدهور الوظيفي الشديد. وفي الجانب المنخفض من المزاج، يعاني الشخص مشاعر الحزن، انخفاض الطاقة، ضعف التركيز، التشاؤم، قلة الدافع، واحتمال فقدان الاهتمام بالنشاطات المعتادة، ولكن دون الوصول إلى أعراض الاكتئاب الشديد مثل اليأس الشديد أو الرغبة بالانتحار.

ما يجعل اضطراب المزاج الدوري مميزًا هو طبيعة هذه التقلبات المستمرة والمتكررة، إذ يعيش المصاب دوامة من الارتفاع والانخفاض المزمنين، مع فترات قصيرة للغاية من الاستقرار النفسي. قد يشعر الفرد بأنه “غير متوازن عاطفيًا” معظم الوقت، وأن مزاجه يتغير بسرعة ملحوظة دون أسباب واضحة.

وتؤثر هذه التقلبات على العلاقات الشخصية، فقد يُنظر إلى الشخص بأنه غير ثابت أو مبالغ في ردود أفعاله. كما تؤثر على الأداء المهني؛ لأن الطاقة المرتفعة قد تدفع الشخص لاتخاذ قرارات متسرعة، بينما تؤدي الفترات المنخفضة إلى بطء الإنتاجية وصعوبة الالتزام. وتزيد هذه الاضطرابات المزاجية من الضغط النفسي، وقد تجعل المصاب أكثر عرضة لسوء التكيف أو اللجوء إلى سلوكيات غير صحية في محاولة للتوازن.

أسباب اضطراب المزاج الدوري

تشير الدراسات إلى أن أسباب اضطراب المزاج الدوري متعددة ومتشابكة، وتتضمن ما يلي:

  • العوامل الوراثية: وجود تاريخ عائلي لاضطرابات المزاج، خاصة الاضطراب ثنائي القطب، يزيد احتمالية الإصابة.
  • اختلالات كيميائية في الدماغ: خلل في عمل الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين قد يسهم في اضطراب المزاج.
  • عوامل بيئية: ضغوط الحياة المستمرة، الصدمات النفسية، أو التجارب الصعبة في الطفولة قد تزيد خطر ظهور الاضطراب.
  • العوامل الهرمونية: التغيرات الهرمونية قد تلعب دورًا في استثارة التقلبات المزاجية.
  • العوامل النفسية: شخصيات تميل إلى الحساسية المفرطة أو ردود الفعل العاطفية المعززة قد تكون أكثر عرضة.
  • عدم انتظام النوم: اضطرابات النوم أو السهر الطويل يؤديان إلى عدم استقرار المزاج.
  • تعاطي الكحول أو المخدرات: يؤثر على كيمياء الدماغ ويساهم في ظهور أو تفاقم الأعراض.

أنواع اضطراب المزاج الدوري

رغم أن اضطراب المزاج الدوري يصنف عادة كنوع واحد، إلا أن بعض الدراسات والاختصاصيين يميزون بين أنماط أساسية له:

  • اضطراب المزاج الدوري ذو الغلبة الهوسية الخفيفة: حيث تكون فترات المزاج المرتفع الخفيف أكثر تكرارًا.
  • اضطراب المزاج الدوري ذو الغلبة الاكتئابية الخفيفة: حيث تطغى فترات الانخفاض والاكتئاب الخفيف.
  • النمط المتوازن المتقلب: يتناوب فيه المزاج بين الارتفاع والانخفاض بشكل متقارب.
  • النمط المصاحب لاضطرابات نفسية أخرى: مثل اضطرابات القلق، مما يؤثر على طريقة ظهور الأعراض.

طرق تشخيص اضطراب المزاج الدوري

يعتمد تشخيص اضطراب المزاج الدوري على تقييم سريري شامل يقوم به اختصاصي الطب النفسي، ويشمل دراسة التاريخ الطبي والنفسي للشخص، ومتابعة الأعراض لمدة لا تقل عن عامين لدى البالغين أو عام واحد لدى الأطفال والمراهقين. ويُعد التحدي الأكبر في التشخيص هو تماثل بعض أعراض الاضطراب مع تقلبات المزاج الطبيعية أو الاضطرابات المزاجية الأخرى، مما يتطلب دقة في التمييز بين هذه الحالات.

يقوم الطبيب بإجراء مقابلة سريرية لتحديد نمط التقلبات المزاجية، ومدى تأثيرها على حياة الفرد، وما إذا كانت تتجاوز درجة التغيرات المزاجية العادية. وقد تُستخدم مقاييس تقييم مصممة لتحديد شدة الأعراض وتواترها. كما يتم استبعاد الاضطرابات الأخرى مثل الاكتئاب الشديد، اضطراب ثنائي القطب، اضطرابات الشخصية، أو الحالات الطبية التي قد تسبب تغيرات في المزاج.

ويأخذ الطبيب في الاعتبار العوامل الوراثية، وتاريخ العلاجات السابقة، والظروف البيئية المحيطة بالمريض. يعتمد التشخيص على استمرار الأعراض لفترة طويلة، وعلى عدم وجود فترات طويلة من الاستقرار المزاجي، وعلى غياب نوبات اكتئاب كبرى أو نوبات هوس كاملة خلال فترة المتابعة.

طرق علاج اضطراب المزاج الدوري

تتعدد طرق علاج اضطراب المزاج الدوري، وتشمل:

  • الأدوية المثبتة للمزاج مثل الليثيوم أو لاموتريجين للمساعدة في تنظيم المزاج.
  • مضادات الاكتئاب بحذر شديد وتحت إشراف طبي؛ لأنها قد تسبب زيادة في التقلب المزاجي إذا استُخدمت منفردة.
  • العلاج النفسي مثل العلاج السلوكي المعرفي للمساعدة على تنظيم الأفكار والانفعالات.
  • العلاج التربوي النفسي لتثقيف المريض حول الاضطراب وطرق التعامل معه.
  • العلاج الأسري لتحسين الدعم والتواصل بين أفراد الأسرة.
  • خطط إدارة التوتر مثل تقنيات الاسترخاء والتنفس العميق.
  • وضع روتين يومي منتظم يشمل النوم والغذاء والنشاط البدني.
  • المتابعة المستمرة مع الطبيب لضبط الأدوية وتقييم التقدم.

طرق الوقاية من اضطراب المزاج الدوري

لا توجد طريقة مؤكدة لمنع اضطراب المزاج الدوري بالكامل، خاصة إذا كانت أسبابه وراثية أو بيولوجية، ولكن يمكن تقليل احتمال تطور الأعراض أو تفاقمها من خلال اتباع مجموعة من الممارسات الصحية. تبدأ الوقاية بالوعي المبكر بالتغيرات المزاجية وبملاحظة أي نمط غير طبيعي أو مستمر من الارتفاع والانخفاض في المزاج، مما يساعد على طلب التدخل الطبي في مرحلة مبكرة.

كما أن الحفاظ على روتين نوم منتظم يُعد عنصرًا أساسيًا في الوقاية؛ فاضطرابات النوم تُعرف بأنها من أكثر العوامل المحفزة لتقلبات المزاج. بالإضافة إلى ذلك، يسهم الالتزام بنمط حياة صحي يشمل ممارسة الرياضة، والتغذية المتوازنة، والابتعاد عن الكحول والمخدرات، في تعزيز استقرار الحالة المزاجية.

تلعب مهارات إدارة التوتر دورًا محوريًا في الوقاية، إذ تساعد في تقليل حساسية الفرد للتقلبات المزاجية الناتجة عن الضغوط اليومية. كما يساهم الدعم الاجتماعي من الأسرة والأصدقاء في خلق بيئة آمنة تساعد الشخص على التعبير عن مشاعره والتعامل مع الصعوبات المزاجية بشكل أفضل.

وفي حال وجود تاريخ عائلي لاضطرابات المزاج، فإن إجراء تقييم دوري من قبل مختص بالصحة النفسية قد يكون خطوة مهمة لتجنب تفاقم الأعراض أو حدوث اضطراب أكثر شدة في المستقبل. تعتمد الوقاية في نهاية المطاف على التوازن بين الوعي الذاتي، ونمط الحياة الصحي، والمتابعة المهنية المستمرة.

في الختام

اضطراب المزاج الدوري هو اضطراب مزاجي مزمن يتسم بالتقلب المستمر بين ارتفاعات وانخفاضات مزاجية خفيفة، ما يجعله حالة تتطلب فهمًا عميقًا ومتابعة دقيقة. ورغم أنه قد يبدو أقل حدة من الاضطراب ثنائي القطب، إلا أن تأثيره على الحياة اليومية قد يكون كبيرًا إذا لم يُشخّص ويُعالج بالشكل الصحيح. إن إدراك طبيعة الاضطراب يساعد الأفراد على تقبل حالتهم والتعامل معها بوعي، كما يفتح الباب أمام تحسين جودة حياتهم من خلال العلاج المناسب، والدعم النفسي والاجتماعي، وتبني أنماط حياة تساعد على استقرار المزاج.

المصادر المستعملة لكتابة المقال

منظمات دولية وهيئات طبية

Cyclothymia (cyclothymic disorder) – Symptoms and causes – Mayo Clinic

Cyclothymia (Cyclothymic Disorder): Symptoms & Treatment

مصادر أكاديمية وطبية

Cyclothymia – NHS

Cyclothymic Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf

مقالات ومصادر متعمقة

Cyclothymic disorder Information | Mount Sinai – New York

عمر مختار

لا يوجد نبذة عن الكاتب بعد.

عرض مقالات الكاتب →

تقييم المقال

لا يوجد تقييمات بعد — كن أول من يقيّم.

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر عدد النجوم ثم اكتب تعليقك.

دعم واتساب رد سريع خلال دقائق