اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال: أسبابه وطرق علاجه

يُعدّ اضطراب الوسواس القهري (Obsessive–Compulsive Disorder – OCD) أحد الاضطرابات النفسية المعقدة التي يمكن أن تظهر في مراحل الطفولة، وتؤثر بشكل كبير على حياة الطفل اليومية وعلى علاقاته الاجتماعية والدراسية والعائلية. هذا الاضطراب يتميّز بوجود أفكار متكررة مزعجة أو صور ذهنية تثير القلق تُعرف بـ «الوساوس»، تدفع الطفل إلى القيام بسلوكيات أو طقوس متكرّرة تُسمّى «الأفعال القهرية» في محاولة لتخفيف القلق أو الشعور بالذنب أو الخوف.

رغم أن الوسواس القهري يُعرف غالبًا كاضطراب يصيب البالغين، إلا أنّ الدراسات الحديثة تشير إلى أن بدايته قد تكون في مراحل مبكرة من النمو، بل إن بعض الحالات تظهر قبل سنّ العاشرة. ومن المثير للاهتمام أنّ الأطفال المصابين بالوسواس القهري يدركون غالبًا أن أفكارهم وسلوكياتهم غير منطقية، لكنهم يشعرون بأنهم عاجزون عن مقاومتها.

تهدف هذه المقالة إلى تزويد القارئ والباحث بمعلومات علمية دقيقة ومبسطة حول اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال، من حيث المفهوم والأعراض والأسباب والأنواع وطرق التشخيص والعلاج والوقاية، بأسلوب يناسب القارئ المهتم والباحث عن الفهم العلمي والنفسي والطبي لهذا الاضطراب.

مفهوم اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال

اضطراب الوسواس القهري هو اضطراب نفسي يتّسم بوجود وساوس (أفكار أو اندفاعات أو صور ذهنية متكرّرة) تثير القلق والتوتر، تدفع الطفل إلى القيام بأفعال قهرية متكرّرة (سلوكيات أو طقوس ذهنية) بهدف تقليل القلق الناتج عن تلك الوساوس أو منعه.

تُعرّف الوساوس بأنها أفكار غير مرغوبة، تقتحم عقل الطفل دون إرادته، وتسبب له ضيقًا نفسيًا. أما الأفعال القهرية فهي محاولات متكرّرة يقوم بها الطفل للسيطرة على هذا القلق، مثل غسل اليدين مرات عديدة، التحقق من الأشياء، أو العدّ بصوت منخفض، أو تجنّب مواقف معينة.

قد يُصاب الطفل بنوبة من الوساوس القهرية تمتد لدقائق أو ساعات يوميًا، وقد تتفاقم حتى تعيق تركيزه الدراسي أو نومه أو تفاعله مع أسرته وأصدقائه.
في كثير من الحالات، لا يستطيع الأهل في البداية التمييز بين السلوك الطبيعي الناتج عن الدقة أو الخوف المؤقت، وبين السلوك المرضي الذي يتكرّر بشكل مفرط ويتسبب في معاناة نفسية واضحة.

اضطراب الوسواس القهري عند الأطفال يُعدّ من الاضطرابات المزمنة نسبياً، وقد يتطوّر مع الوقت إن لم يُشخّص ويُعالج مبكرًا. ومع ذلك، يمكن للعلاج المبكر والمتكامل أن يُحدث تحسنًا ملحوظًا في الأعراض ويمنح الطفل حياة طبيعية ومستقرة.

أعراض اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال

تتنوّع أعراض الوسواس القهري لدى الأطفال من حيث الشكل والشدة والمحتوى، لكنها تدور جميعها حول وجود وساوس تثير القلق وأفعال قهرية تهدف لتخفيف هذا القلق. وغالبًا ما تكون الأعراض واضحة للأهل أو المعلّمين في المدرسة.

قد تبدأ الأعراض تدريجيًا ثم تتفاقم مع الوقت، أو تظهر فجأة بعد حدث ضاغط نفسيًا أو بعد إصابة جسدية أو مرضية. من أبرز الوساوس التي تظهر عند الأطفال: الخوف من الجراثيم أو التلوث، الخوف من ارتكاب خطأ أو إيذاء الآخرين، الحاجة المفرطة إلى الترتيب أو الدقّة، أو الانشغال بأفكار دينية أو أخلاقية بشكل مفرط.

أما الأفعال القهرية فتشمل السلوكيات المتكرّرة التي يقوم بها الطفل كغسل اليدين عشرات المرات، تنظيف الأغراض بشكل مبالغ فيه، إعادة التحقق من إغلاق الباب أو الحقيبة، أو ترتيب الأشياء وفق نظام صارم. بعض الأطفال يقومون بعمليات عدّ أو تكرار كلمات في أذهانهم، أو يتجنّبون لمس أشياء معينة خوفًا من التلوث أو الحظ السيئ.

من العلامات السلوكية التي يمكن ملاحظتها أيضًا:

  • قضاء الطفل وقتًا طويلًا في الحمام أو في تحضير نفسه.
  • التأخّر في أداء الواجبات أو المهام بسبب التكرار المفرط.
  • ظهور القلق والانزعاج الشديد عند منعه من أداء الطقوس القهرية.
  • انسحابه الاجتماعي أو ميله للعزلة خوفًا من الإحراج.
  • صعوبات في النوم أو التركيز بسبب انشغاله بالأفكار الوسواسية.

من المهم الإشارة إلى أن الطفل المصاب يدرك غالبًا أن سلوكياته مبالغ فيها، لكنه يشعر بضغط داخلي قوي يجبره على الاستمرار بها لتخفيف القلق، مما يزيد من معاناته النفسية.

أسباب اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال

تُعدّ أسباب اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال معقدة ومتعددة العوامل، وتشمل مجموعة من العوامل البيولوجية والنفسية والبيئية التي تتفاعل معًا، ومن أبرزها:

  • العوامل الوراثية: وجود تاريخ عائلي للوسواس القهري أو اضطرابات القلق يزيد من احتمالية إصابة الطفل.
  • الاختلالات الكيميائية في الدماغ: خاصة في مستويات الناقل العصبي «السيروتونين» المسؤول عن تنظيم المزاج والقلق.
  • اضطرابات في دوائر الدماغ: مثل خلل في الاتصال بين الفص الجبهي والعقد القاعدية والمهاد، وهي المناطق المسؤولة عن تنظيم السلوك والتفكير التكراري.
  • التعرض للضغوط النفسية أو الصدمات: كوفاة أحد المقربين أو المشكلات الأسرية أو التغيرات المفاجئة في الحياة اليومية.
  • عوامل بيئية وتربوية: مثل التربية الصارمة أو المبالغة في النظافة أو التركيز الزائد على الكمال.
  • العدوى المناعية النادرة (PANDAS): وهي حالة يُعتقد أنها تحدث بعد إصابة الطفل بعدوى بكتيرية في الحلق تؤدي إلى رد فعل مناعي يؤثر على الدماغ ويسبب أعراضًا وسواسية مفاجئة.
  • السمات الشخصية: مثل الحساسية المفرطة، الميل إلى الكمال، أو الحاجة الشديدة إلى السيطرة.
  • عوامل التعلم والنمذجة: تقليد الطفل لسلوكيات أحد الوالدين أو الأشخاص القريبين الذين يظهرون أنماطًا وسواسية مشابهة.

أنواع اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال

يمكن تصنيف اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال إلى أنواع مختلفة حسب طبيعة الوساوس والأفعال القهرية، ومن أهمها:

  • وساوس التلوث والنظافة: الخوف المفرط من الجراثيم أو الأوساخ أو الأمراض، مما يدفع الطفل لغسل اليدين أو الأشياء باستمرار.
  • وساوس الترتيب والتنظيم: الحاجة إلى أن تكون الأشياء متناظرة أو مرتبة بشكل مثالي، مع انزعاج شديد عند أي تغيير بسيط في ترتيبها.
  • وساوس التحقق: القلق من نسيان أو ارتكاب خطأ، فيقوم الطفل بالتحقق مرارًا من إغلاق الباب أو إطفاء الأنوار أو إنهاء الواجب.
  • وساوس الأفكار الدينية أو الأخلاقية: الخوف من ارتكاب ذنب أو الإساءة إلى الله أو الآخرين، مما يجعل الطفل يلجأ إلى تكرار الأدعية أو تجنّب الممارسات الدينية خوفًا من الخطأ.
  • وساوس العدّ أو التكرار: الحاجة إلى العدّ أو تكرار كلمات أو حركات معينة لعدد محدد لتقليل القلق أو لتجنّب “شيء سيئ”.
  • وساوس الأذى أو العدوانية: الخوف من إيذاء الآخرين أو النفس، رغم عدم وجود رغبة حقيقية بذلك.
  • وساوس التفكير السحري: اعتقاد الطفل بأن أفكاره يمكن أن تسبب حدوث أشياء معينة في الواقع، فيمارس طقوسًا لمنعها.
  • الوسواس القهري المختلط: مزيج من أكثر من نوع من الوساوس والأفعال القهرية في الوقت نفسه.

طرق تشخيص اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال

تشخيص اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال يعتمد على تقييم شامل يقوم به الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي الإكلينيكي، ويشمل مقابلات مفصلة مع الطفل ووالديه والمعلمين.

يبدأ التشخيص عادةً بجمع المعلومات حول طبيعة الأفكار والسلوكيات ومدى تكرارها وتأثيرها على حياة الطفل اليومية. تُستخدم أدوات تشخيصية مقنّنة مثل مقياس «يال براون للوسواس القهري» المخصص للأطفال (CY-BOCS)، والذي يقيس شدة الوساوس والأفعال القهرية ومدى تداخلها مع الوظائف اليومية.

من المعايير الأساسية للتشخيص وفق الدليل الإحصائي التشخيصي للاضطرابات النفسية (DSM-5):

  • وجود وساوس أو أفعال قهرية متكررة تسبب ضيقًا نفسيًا واضحًا.
  • إدراك الطفل (بحسب عمره) أن الوساوس والأفعال القهرية مبالغ فيها أو غير منطقية.
  • استغراق هذه الوساوس أو الأفعال وقتًا طويلًا في اليوم (عادة أكثر من ساعة).
  • تأثيرها السلبي على الأداء الاجتماعي أو الأكاديمي أو الأسري.
  • عدم ارتباطها باضطراب آخر (مثل اضطراب القلق العام أو طيف التوحّد).

من المهم أيضًا التفرقة بين الوساوس القهرية والسلوكيات المتكررة الطبيعية في مرحلة الطفولة المبكرة، إذ إن السلوك الوسواسي المرضي يتسم بالاستمرارية والشدة والتأثير السلبي على الحياة اليومية.

طرق علاج اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال

العلاج الفعّال لاضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال يعتمد على مزيج من العلاجات النفسية والسلوكية، وفي بعض الحالات الأدوية. يهدف العلاج إلى تقليل الوساوس والأفعال القهرية وتحسين نوعية الحياة، وتشمل الطرق التالية:

  • العلاج السلوكي المعرفي (CBT): وهو العلاج الأكثر فاعلية، ويركز على مساعدة الطفل في التعرف إلى أفكاره الوسواسية وتعلّم استراتيجيات للتعامل معها دون اللجوء إلى الأفعال القهرية.
  • تقنية التعرض ومنع الاستجابة (ERP): وهي جزء من العلاج السلوكي المعرفي، تعتمد على تعريض الطفل تدريجيًا للمواقف التي تثير وساوسه مع منعه من أداء الأفعال القهرية حتى يخفّ القلق تدريجيًا.
  • العلاج الأسري: يهدف إلى توعية الأهل بطبيعة الاضطراب وكيفية دعم الطفل والتعامل مع الأعراض دون تعزيزها أو معاقبته.
  • العلاج الدوائي: في الحالات المتوسطة إلى الشديدة يمكن استخدام أدوية من فئة مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية (SSRIs) مثل فلوكسيتين أو سيرترالين، تحت إشراف طبي دقيق.
  • العلاج الجماعي للأطفال: يوفر بيئة داعمة يتعلم فيها الطفل من تجارب الآخرين ويكتسب مهارات مواجهة القلق.
  • التدريب على الاسترخاء وإدارة القلق: مثل تمارين التنفس العميق أو الاسترخاء العضلي أو التأمل البسيط للأطفال.
  • التعاون المدرسي: إشراك المدرسة في خطة العلاج لضمان دعم الطفل وتوفير بيئة خالية من الضغوط والتنمّر.
  • العلاج النفسي الداعم: لمساعدة الطفل على التعبير عن مشاعره وتعزيز ثقته بنفسه.

طرق الوقاية من اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال

لا توجد وسيلة مؤكدة للوقاية التامة من اضطراب الوسواس القهري، لكن يمكن تقليل احتمالية ظهوره أو تخفيف شدّته من خلال الوعي المبكر والتدخل السريع. يُنصح الأهل بمراقبة أي علامات تدل على القلق أو السلوكيات المتكررة غير المبرّرة، مع تجنب معاقبة الطفل أو السخرية منه، لأن ذلك يزيد شعوره بالذنب ويُفاقم الأعراض.

يجب تعزيز مهارات الطفل في التعامل مع التوتر من خلال الحوار المفتوح، وتشجيعه على التعبير عن مخاوفه دون خوف من الحكم عليه. كما يساعد الروتين المتوازن بين الدراسة واللعب والنوم في الحفاظ على استقرار الحالة النفسية.

توفير بيئة أسرية داعمة، خالية من التوترات المفرطة أو الصراعات، يُعد من العوامل الوقائية المهمة. كما أن طلب المساعدة من اختصاصي نفسي عند ملاحظة أعراض مستمرة هو خطوة ضرورية لتجنّب تفاقم الحالة.

من المهم كذلك تعليم الطفل أن القلق شعور طبيعي، وأنه يمكن التحكم فيه بالتدريب والاسترخاء، وأن الأفكار المزعجة لا تعني بالضرورة حقيقتها، مما يساعد على بناء مرونة نفسية تحميه في المراحل المقبلة من حياته.

في الختام

اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال ليس مجرد مرحلة عابرة أو سلوك مؤقت، بل هو اضطراب نفسي حقيقي يحتاج إلى فهم وتقبّل وتدخل علاجي متخصص. ورغم أنه قد يسبب معاناة كبيرة للطفل ولأسرته، إلا أن العلاج المبكر والتعاون بين الأسرة والمعالجين يمكن أن يؤدي إلى تحسن ملحوظ بل وإلى تعافي كامل في بعض الحالات. إنّ دعم الطفل وتجنّب انتقاده أو السخرية من سلوكياته هو المفتاح الأول للشفاء، فكلما شعر بالأمان والفهم زادت قدرته على مواجهة الوساوس والسيطرة عليها.

يبقى الوعي المجتمعي بأهمية الاضطرابات النفسية في الطفولة خطوة أساسية نحو بناء جيل يتمتع بصحة نفسية متوازنة وقدرة على مواجهة ضغوط الحياة بثقة ومرونة.

المصادر المستعملة لكتابة المقال

منظمات دولية وهيئات طبية

Obsessive-Compulsive Disorder in Children | Children’s Mental Health | CDC

Obsessive-compulsive disorder in children and adolescents – PMC

مصادر أكاديمية وطبية

Obsessive-Compulsive Disorder (OCD) in Children | Cedars-Sinai

Obsessive-Compulsive Disorder in Children > Fact Sheets > Yale Medicine

مقالات ومصادر متعمقة

Obsessive-Compulsive Disorder in Children | Children’s Hospital of Philadelphia

عمر مختار

لا يوجد نبذة عن الكاتب بعد.

عرض مقالات الكاتب →

تقييم المقال

لا يوجد تقييمات بعد — كن أول من يقيّم.

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر عدد النجوم ثم اكتب تعليقك.

دعم واتساب رد سريع خلال دقائق