يُعدّ اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي أحد الاضطرابات النفسية التي تحظى باهتمام متزايد في السنوات الأخيرة، نظرًا لارتباطه المعقّد بالتغيرات الهرمونية والدورات البيولوجية لدى النساء، وتأثيره العميق على جودة الحياة اليومية والقدرة على العمل والتفاعل الاجتماعي. فعلى الرغم من أنّ العديد من النساء يعانين من أعراض ما قبل الدورة الشهرية، إلا أنّ شريحة معينة منهن تواجه أعراضًا أكثر شدّة ووضوحًا قد تصل إلى حدّ الإعاقة النفسية والوظيفية، وهو ما يميز هذا الاضطراب عن المتلازمة الشائعة لما قبل الحيض (PMS).
يأتي هذا المقال ليسلّط الضوء على هذا الاضطراب من منظور نفسي-طبي مبسّط، مع توضيح المفاهيم الأساسية والآليات المحتملة والأعراض والطرق التشخيصية والعلاجية المتاحة، إضافة إلى استراتيجيات عملية تساعد في الوقاية والتقليل من حدّة الأعراض.
مفهوم اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي
اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي (Premenstrual Dysphoric Disorder – PMDD) هو حالة نفسية-جسدية تُصنّف كأحد اضطرابات المزاج المرتبطة بالدورة الشهرية، وتتميز بظهور مجموعة من الأعراض الانفعالية والجسدية الشديدة خلال الأسبوع أو الأسبوعين السابقين لبداية الدورة الشهرية، ثم تختفي أو تتحسن بشكل ملحوظ بعد بدء النزف. وعلى الرغم من تشابهه مع متلازمة ما قبل الحيض (PMS)، إلا أنّ PMDD يأتي بشدّة أعلى ويؤثر مباشرة على الجوانب الاجتماعية والمهنية والعلاقات الشخصية، مما يجعله اضطرابًا له تبعات كبيرة إذا لم يُشخّص ويُعالج.
يعود سبب تصنيف هذا الاضطراب كأحد اضطرابات المزاج إلى طبيعة أعراضه التي تتركز حول الاكتئاب، القلق، التوتر، تقلّب المزاج، وانخفاض الطاقة، إضافة إلى تفاعل شديد مع الضغوط اليومية. ولا يرتبط PMDD بخلل هرموني بحد ذاته، بل بفرط حساسية الدماغ للتغيرات الطبيعية في الهرمونات خلال الدورة الشهرية. هذا الاضطراب وإن كان يظهر بشكل دوري، إلا أنّ أثره قد يمتد ليؤثر على ثقة المرأة بنفسها ونظرتها لجسدها وقدرتها على مواجهة التحديات اليومية، خاصة عندما تتكرر النوبات عبر أشهر طويلة.
أعراض اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي
تتعدد الأعراض المرتبطة باضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي، وتظهر عادة خلال المرحلة الأصفرية من الدورة الشهرية، وهي الفترة التي تلي الإباضة وتسبق نزول الحيض. تتسم هذه الأعراض عادة بوضوحها وتأثيرها المباشر على الأداء الوظيفي اليومي، وتشمل مزيجًا من الأعراض النفسية والجسدية التي تتفاوت بين الشدة المتوسطة والحادة. ومن أبرز الأعراض الانفعالية التي تعاني منها المصابات الشعور المفرط بالحزن أو الاكتئاب، إلى جانب الإحساس بفقدان المتعة وقلة الاهتمام بالأنشطة المعتادة. كما يتكرر الشعور بالقلق أو التوتر الداخلي المبالغ فيه، إضافة إلى التهيّج والانفعالات المتقلبة التي قد تظهر فجأة دون مقدمات واضحة. وقد تشعر المرأة أيضًا بالحساسية الزائدة تجاه العلاقات الاجتماعية أو المواقف اليومية، ما يؤدي إلى صعوبة في التواصل، أو شعور بعدم القدرة على السيطرة على الانفعالات.
وفي الجوانب المعرفية والسلوكية، تظهر أعراض مثل صعوبة التركيز، تشتت الانتباه، الميل إلى العزلة، وانخفاض مستوى الطاقة بشكل يؤثر على القدرة على إنجاز المهام اليومية. وقد تعاني بعض النساء من اضطرابات في النوم مثل الأرق أو النوم المفرط، إضافة إلى تغيرات في الشهية سواء بالزيادة أو النقصان. أما الأعراض الجسدية، فهي تشمل الانتفاخ، ألم الثدي، الصداع، آلام العضلات والمفاصل، والتقلصات، وكلها قد تساهم في تعزيز الشعور العام بالإجهاد. ورغم أنّ هذه الأعراض تختفي عادة بعد بدء الحيض، إلا أنّ تأثيرها المتكرر على مدار الشهور يجعلها سببًا مهمًا في تراجع جودة الحياة إذا لم تُعالَج بالشكل المناسب.
أسباب اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي
- حساسية الدماغ المفرطة للتقلبات الهرمونية الطبيعية خلال الدورة الشهرية، خاصة لهرموني الإستروجين والبروجسترون.
- اضطرابات محتملة في تنظيم السيروتونين، وهو ناقل عصبي يرتبط بالمزاج والتنظيم العاطفي والنوم والشهية.
- الاستعداد الوراثي، إذ تشير دراسات إلى احتمال وجود عوامل جينية تسهم في زيادة قابلية الإصابة.
- التفاعل بين العوامل الهرمونية والنفسية لدى النساء اللواتي يعانين من تاريخ سابق لاضطرابات المزاج.
- التوتر المزمن ونمط الحياة المجهِد الذي قد يزيد من شدة الأعراض.
- النمط الغذائي غير المتوازن أو قلة النشاط البدني، مما يؤدي إلى تفاقم الأعراض الجسدية والانفعالية.
- عدم انتظام النوم أو اضطراب الساعة البيولوجية، مما يؤثر على التنظيم العاطفي خلال فترة ما قبل الحيض.
- وجود اضطرابات هرمونية أو اضطرابات في الغدة الدرقية قد يزيد من شدة الأعراض، وإن لم يكن العامل الأساسي.
أنواع اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي
- النوع الانفعالي-الاكتئابي: يتميز بظهور أعراض قوية من الاكتئاب، الحزن، فقدان المتعة، وانخفاض الدافعية.
- النوع القلقي-التوتري: تهيمن عليه مشاعر القلق، التوتر الداخلي، العصبية، والانفعالات السريعة.
- النوع السلوكي-الاندفاعي: يشمل صعوبة التحكم في السلوك، تقلب المزاج الحاد، أو الميل للاندفاعية.
- النوع الجسدي-الوظيفي: تبرز فيه الأعراض الجسدية مثل الانتفاخ، ألم الثدي، الصداع، وآلام الجسم.
- النوع المختلط: يجمع بين نوعين أو أكثر من الأعراض الجسدية والانفعالية بدرجات متفاوتة.
طرق تشخيص اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي
يستند تشخيص اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي إلى مزيج من التقييم السريري مع تتبع دقيق للأعراض على مدى دورتين شهريتين متتاليتين على الأقل، وذلك لضمان ثبات النمط ووضوح العلاقة الزمنية بين ظهور الأعراض والمرحلة السابقة للحيض.
يشمل التشخيص الحصول على تاريخ طبي مفصل يغطي الجوانب النفسية والهرمونية والسلوكية، مع استبعاد أي اضطرابات أخرى قد تشابه الأعراض مثل اضطرابات الغدة الدرقية أو الاكتئاب المستمر أو اضطرابات القلق. يعتمد المختصون كذلك على معايير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، والذي يشترط وجود ما لا يقل عن خمسة أعراض واضحة، من بينها عرض واحد أساسي مثل تقلب المزاج أو التهيّج أو الاكتئاب أو القلق.
كما يركّز التشخيص على مدى تأثير الأعراض على الأداء الوظيفي اليومي، مثل القدرة على العمل، الدراسة، التواصل الاجتماعي، والأنشطة الحياتية الأخرى. ويمكن أيضًا استخدام اليوميات الخاصة بالأعراض أو تطبيقات تتبع الدورة للمساعدة في تحديد النمط بدقة، وهو أمر بالغ الأهمية لضمان تشخيص دقيق وخطة علاج فعّالة.
طرق علاج اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي
- العلاج الدوائي: استخدام مضادات الاكتئاب من فئة SSRIs، إما بشكل يومي أو فقط خلال المرحلة الأصفرية.
- العلاج الهرموني: مثل حبوب منع الحمل أو العلاجات التي تقلل من التقلبات الهرمونية.
- العلاج النفسي-السلوكي (CBT): يخفف القلق، يعدّل الأفكار السلبية، ويساعد في تنظيم العواطف.
- تعديل نمط الحياة: عبر ممارسة الرياضة بانتظام وتحسين جودة النوم وتقليل التوتر.
- التغذية العلاجية: تقليل الكافيين والملح والسكريات، وزيادة المغنيسيوم والكالسيوم.
- المكملات الغذائية: مثل فيتامين B6 أو الأوميغا-3 تحت إشراف مختص.
- تقنيات الاسترخاء: مثل التأمل، تمارين التنفس، واليوغا للمساعدة في التحكم في الاستجابات الانفعالية.
- العلاج المتقدم: في الحالات الشديدة قد تُستخدم خيارات مثل تثبيط الإباضة بالأدوية تحت إشراف طب متخصص.
طرق الوقاية من اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي
تتطلب الوقاية من اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي نهجًا مستمرًا يهدف إلى الحد من تأثير العوامل التي قد تزيد من شدة الأعراض أو تحفّز ظهورها، من خلال تنظيم نمط الحياة وتعزيز الوعي بالأعراض والتغيرات الدورية. يبدأ ذلك بفهم الدورة الشهرية وتتبّع الأعراض بشكل منتظم، مما يساعد في التنبؤ بالفترات الحساسة والتعامل معها قبل تفاقمها. كما تُعدّ إدارة التوتر عنصرًا رئيسيًا في الوقاية، إذ تسهم تقنيات الاسترخاء وممارسة الرياضة في تقليل التوتر وتحسين التنظيم العاطفي.
إضافة إلى ذلك، فإن الالتزام بنظام غذائي متوازن يحتوي على العناصر الضرورية للجهاز العصبي والهرموني يساعد في تعزيز الاستقرار المزاجي والجسدي. تحسين جودة النوم وتجنّب العوامل المنبهة مثل الكافيين في الأيام السابقة للطمث يسهم أيضًا في تقليل حدّة الأعراض. ورغم أن الوقاية قد لا تمنع الاضطراب بشكل كامل، إلا أنها تخفف من حدّته وتُسهِم في تحسين جودة الحياة بشكل ملحوظ، خاصة عند اتباع هذه الاستراتيجيات بشكل مستمر ومتناسق.
في الختام
اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي ليس مجرد تغيرات مزاجية عابرة، بل هو اضطراب نفسي-بيولوجي حقيقي يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات كبيرة على الحياة اليومية والعلاقات والقدرة على الإنجاز. إنّ فهم هذا الاضطراب، والتمييز بينه وبين المتلازمة الشائعة لما قبل الحيض، يعدّ خطوة أساسية لتمكين النساء من التعرف على الأعراض والتوجّه نحو التشخيص والعلاج الملائم. يساعد الوعي بهذا الاضطراب في تقليل الوصمة المرتبطة بالأعراض النفسية المرتبطة بالدورة الشهرية، ويعزز دور المرأة في متابعة صحتها النفسية والجسدية بوعي ودقة.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Premenstrual Dysphoric Disorder (PMDD): Causes & Treatment
Premenstrual dysphoric disorder: Different from PMS? – Mayo Clinic
مصادر أكاديمية وطبية
Premenstrual Dysphoric Disorder (PMDD) | Johns Hopkins Medicine
Premenstrual dysphoric disorder (PMDD)
مقالات ومصادر متعمقة
Premenstrual Dysphoric Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf


