اضطرابات السلوك القهري باتت من المواضيع المهمة في علم النفس الحديث، ومع تطور العلوم النفسية وتفرّعها، ظهر العديد من الأنماط السلوكية التي قد لا تكون واضحة المعالم لكنها تُحدث أثراً كبيراً في حياة الأفراد. ومن بين هذه الاضطرابات، نجد ما يُعرف بـ”اضطراب تسكع القمار”، وهو اضطراب حديث نسبياً يندرج تحت مظلة اضطرابات السلوك القهري المرتبط بالمقامرة أو البيئة المحيطة بها.
يخلط الكثيرون بين اضطراب القمار التقليدي وبين اضطرابات متصلة به، ومنها التسكع في بيئات القمار دون ممارسة فعلية للقمار نفسه، وهو ما يُميّز اضطراب تسكع القمار عن غيره. في هذا المقال، سنقوم بتفصيل هذا الاضطراب بشكل علمي ومبسط، بهدف تقديم صورة واضحة للباحثين والمهتمين في المجال النفسي والطبي، وكذلك لصناع المحتوى التوعوي والمتخصصين في علاج الإدمان السلوكي.
مفهوم اضطراب تسكع القمار
اضطراب تسكع القمار (بالإنجليزية: Loitering Gambling Disorder) هو حالة نفسية سلوكية تظهر لدى الأفراد الذين يُبدون سلوكاً قهرياً في التردد المستمر على أماكن القمار (مثل الكازينوهات، صالات المراهنات، المقاهي التي توفر آلات المقامرة)، دون ممارسة فعلية لعملية القمار أو اللعب.
يعاني الشخص المصاب من حاجة نفسية متكررة للتواجد في محيط المقامرة، رغم علمه بالأثر النفسي والاجتماعي السلبي لهذا التردد. قد يكتفي بمجرد المشاهدة أو التفاعل مع لاعبين آخرين، ويشعر بإشباع داخلي أو نوع من الراحة النفسية المؤقتة لمجرد التواجد في هذا الفضاء.
وعلى الرغم من أن هذا الاضطراب لا يتضمّن خسائر مالية كما في الإدمان القماري التقليدي، إلا أن تأثيره النفسي والاجتماعي والعاطفي قد يكون كبيراً. وغالباً ما يُنظر إليه كمقدّمة محتملة للإدمان الفعلي على القمار، أو كآلية للهروب من اضطرابات نفسية أعمق.
أعراض اضطراب تسكع القمار
يُظهر الأفراد المصابون باضطراب تسكع القمار عدداً من الأعراض السلوكية والنفسية التي يمكن أن تساعد في تحديد وجود هذا الاضطراب. من بين أبرز الأعراض:
يعاني الشخص من رغبة مستمرة ومتكررة في التواجد في أماكن القمار دون سبب واضح. يقضي وقتًا طويلاً في هذه الأماكن دون أن يشارك في الألعاب القمارية. يُظهر اهتماماً مفرطاً بأجواء الكازينو أو المراهنة، مثل الأصوات، الإضاءة، أو سلوك اللاعبين. يشعر بحالة من الارتياح أو التوتر المخفف عند التواجد في أماكن المقامرة، وقد يصاب بالقلق أو الاكتئاب عند الابتعاد عنها. قد يحاول إخفاء تردده المستمر إلى هذه الأماكن عن الأصدقاء أو أفراد الأسرة.
يُهمل مسؤولياته اليومية أو علاقاته الاجتماعية بسبب الوقت الذي يقضيه في هذه الأماكن. كما قد يشعر أحياناً بالذنب أو الندم بعد مغادرة المكان، دون أن يفهم سبب سلوكه المتكرر. وقد يبرر تواجده في الكازينو بأنه “لمجرد المشاهدة” أو “لقضاء الوقت”، رغم التكرار المفرط لهذا السلوك.
أسباب اضطراب تسكع القمار
تعد أسباب اضطراب تسكع القمار معقّدة ومتعددة العوامل، منها ما هو نفسي، ومنها ما هو اجتماعي أو بيئي:
- اضطرابات نفسية كامنة: مثل القلق، الاكتئاب، أو اضطراب الهوية.
- الاعتماد النفسي على البيئة التحفيزية: مثل الإضاءة، الموسيقى، والجو العام في صالات القمار.
- الرغبة في الانتماء الاجتماعي: البحث عن هوية أو جماعة يشعر الشخص أنه ينتمي لها.
- التعرض السابق للقمار: تجربة سابقة مع القمار أو بيئته، حتى دون إدمان فعلي.
- المراقبة والتقليد: خاصة لدى الشباب الذين يتأثرون بأقرانهم أو أفراد العائلة.
- آليات الهروب النفسي: التردد على هذه الأماكن كوسيلة للهروب من ضغوط الحياة أو المشاعر السلبية.
- الإثارة والتحفيز العصبي: الشعور بالتحفيز العصبي العالي الناتج عن تردد الأضواء والأصوات.
- ضعف المهارات الاجتماعية أو الانطوائية: حيث تكون بيئة القمار ملاذًا بديلاً للتفاعل الاجتماعي.
أنواع اضطراب تسكع القمار
رغم أن اضطراب تسكع القمار لا يزال موضوعاً تحت الدراسة، إلا أن الخبراء يقترحون تصنيف أنواعه وفقًا لنمط السلوك والمحفزات النفسية، ومنها:
- النوع المشاهِد: يكتفي بمراقبة اللاعبين دون مشاركة.
- النوع الاجتماعي: يبحث عن التفاعل مع الآخرين داخل بيئة القمار دون نية للعب.
- النوع المتردد القهري: يعاني من رغبة قهرية في التواجد هناك بشكل يومي تقريباً.
- النوع المُنفعل: يتأثر عاطفيًا بما يشاهده من ربح أو خسارة، دون لعب مباشر.
- النوع التجنبي: يستخدم التردد على أماكن القمار لتجنب مشكلات حياتية أو قرارات مؤجلة.
- النوع المرتبط بالإدمان السلوكي الآخر: مثل إدمان الكحول أو التدخين داخل بيئة الكازينو.
طرق تشخيص اضطراب تسكع القمار
تشخيص اضطراب تسكع القمار يتطلب تقييماً دقيقاً من قبل متخصص في الصحة النفسية، لأن هذا الاضطراب لا يُذكر في معظم الأدلة التشخيصية الكبرى مثل DSM-5 بشكل مباشر، وإنما يُستدل عليه من خلال تحليل أنماط السلوك المتكررة. يعتمد المعالج على المقابلات النفسية، ومراقبة مدى تأثير السلوك على الحياة اليومية للفرد، وعلى قدرته في أداء مسؤولياته الوظيفية والاجتماعية.
قد تُستخدم مقاييس مخصصة لتقييم مدى تعلق الشخص ببيئة القمار، حتى في غياب الممارسات القمارية المباشرة. كما يُنظر في السياق العاطفي والدوافع الداخلية التي تدفع الفرد لهذا السلوك، مثل وجود اضطراب قلق اجتماعي أو اكتئاب غير مشخص.
طرق العلاج اضطراب تسكع القمار
يُعالج اضطراب تسكع القمار من خلال برامج علاجية نفسية وسلوكية متعددة، تركز على فهم المحفزات وتغيير الأنماط السلوكية:
- العلاج المعرفي السلوكي (CBT): لتحديد الأفكار المشوهة المرتبطة بأماكن القمار وتعديلها.
- العلاج الجماعي: يوفر دعمًا اجتماعيًا ويقلل من الشعور بالوحدة أو النبذ.
- العلاج السلوكي بالتحفيز المعاكس: تغيير ردة الفعل الشعورية تجاه بيئة الكازينو.
- التدريب على المهارات الاجتماعية: خاصة لمن يفتقرون لمهارات التفاعل الإيجابي خارج بيئة القمار.
- المعالجة الدوائية: في حالات وجود اضطرابات نفسية مصاحبة مثل القلق أو الاكتئاب.
- العلاج النفسي الديناميكي: لفهم الدوافع اللاواعية للسلوك وتحرير المشاعر المكبوتة.
- الابتعاد الجغرافي المرحلي: خطط للابتعاد التدريجي عن أماكن المقامرة ومحيطها.
- المتابعة المستمرة: دعم طويل الأمد للحفاظ على التحسن ومنع الانتكاس.
طرق الوقاية من اضطراب تسكع القمار
للوقاية من اضطراب تسكع القمار، يجب الانتباه إلى العوامل النفسية والاجتماعية التي قد تدفع الأفراد للتعلق بمحيط القمار. يبدأ الأمر غالبًا من مرحلة المراهقة أو الشباب، عندما يكون الفرد أكثر عرضة للتأثر بالبيئة المحيطة والضغوط الاجتماعية. من المهم توفير بيئات بديلة آمنة تمنح شعورًا بالانتماء والهوية، خصوصًا لأولئك الذين يفتقرون للدعم النفسي أو الاجتماعي.
كما أن التربية الواعية، وزيادة الوعي بمخاطر البيئات المحفزة للإدمان السلوكي، تلعب دوراً وقائياً كبيرًا. من الجيد تشجيع الشباب على تطوير هوايات إيجابية، والانخراط في مجتمعات تشاركية، والتعامل مع المشكلات النفسية مبكرًا.
وجود رقابة تنظيمية على أماكن القمار، وتقييد دخول من هم تحت سن معينة، وتقديم برامج توعية داخل هذه الأماكن، قد يساعد في تقليل السلوكيات التسكعية التي قد تتطور لاحقًا إلى اضطرابات أكثر خطورة.
في الختام
اضطراب تسكع القمار قد يبدو للبعض سلوكًا غير مقلق لعدم وجود خسائر مالية أو مشاركة فعلية في الألعاب، لكنه من الزاوية النفسية مؤشر على حاجة داخلية لم تُلبَّ، أو محاولة للهروب من واقع غير مُرضٍ. الفهم العميق لهذا الاضطراب يساعد المهنيين في مجال الصحة النفسية على اكتشافه مبكرًا، ومنع تطوره إلى إدمان قهري للقمار.
ومع ازدياد الانكشاف على بيئات المقامرة في الواقع والفضاء الرقمي، تصبح الحاجة ماسة إلى بناء أدوات تشخيصية وعلاجية شاملة، وتحسين الوعي المجتمعي تجاه مثل هذه السلوكيات “الرمادية”.
السلوكيات القهرية تبدأ غالبًا بأمور بسيطة، لكن تركها دون وعي أو علاج، قد يؤدي إلى مشكلات كبيرة. من هنا تأتي أهمية الوقاية، والتعليم، والدعم النفسي المستمر.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Gambling Disorder: What It Is, Symptoms & Treatment
Compulsive gambling – Symptoms & causes – Mayo Clinic
مصادر أكاديمية وطبية
psychiatry.org/patients-families/gambling-disorder/what-is-gambling-disorder
Gambling Disorder and Other Behavioral Addictions: Recognition and Treatment – PMC
مقالات ومصادر متعمقة
Columbia Gambling Disorder Clinic | Columbia University Department of Psychiatry

