اضطراب الأكل الاجتراري: أسبابه وطرق علاجه

اضطرابات الأكل تُعد من أكثر الحالات النفسية والجسدية تعقيدًا، لأنها لا تؤثر فقط على سلوكيات الطعام، بل تمتد لتؤثر على الصحة النفسية والجسدية والاجتماعية للفرد. من بين هذه الاضطرابات، يبرز اضطراب الأكل الاجتراري كحالة طبية ونفسية مميزة تتسم بنمط متكرر من الأكل المفرط، يتبعه شعور بعدم التحكم والندم.

تتزايد أهمية فهم هذا الاضطراب نظرًا لتأثيره الكبير على جودة الحياة، وإمكانية ارتباطه بالسمنة، واضطرابات القلق والاكتئاب، بالإضافة إلى مضاعفات صحية مثل مشاكل الجهاز الهضمي وارتفاع ضغط الدم.

مع التطور الحديث في الطب النفسي والتغذوي، أصبح بالإمكان تشخيص الاضطراب بشكل أدق، وفهم العوامل النفسية والبيولوجية المرتبطة به، مما يسمح بتقديم استراتيجيات علاجية فعالة لدعم المرضى وتحسين حياتهم.

مفهوم اضطراب الأكل الاجتراري

اضطراب الأكل الاجتراري، المعروف أيضًا باسم Binge Eating Disorder (BED)، هو اضطراب نفسي يتسم بتناول كميات كبيرة من الطعام خلال فترة قصيرة، مع شعور بالتحكم المحدود أو فقدان السيطرة أثناء الأكل. يختلف هذا الاضطراب عن الإفراط الطبيعي في تناول الطعام، لأنه يحدث بشكل متكرر ومنتظم، ويصاحبه شعور بالذنب أو القلق بعد كل نوبة أكل.

عادةً ما يصيب اضطراب الأكل الاجتراري البالغين بشكل أكبر، لكنه يمكن أن يظهر أيضًا في المراهقين والمراهقات. يُعد من أكثر اضطرابات الأكل شيوعًا مقارنة بفقدان الشهية العصبي أو الشره المرضي، وغالبًا ما يرتبط بالسمنة وزيادة الوزن نتيجة تكرار النوبات الغذائية.

تؤثر الحالة على الصحة النفسية والاجتماعية، حيث يعاني المصابون من انخفاض احترام الذات، والقلق، والاكتئاب، وصعوبة الحفاظ على علاقات اجتماعية صحية، مما يجعل التدخل المبكر ضروريًا لتحسين نوعية الحياة.

أعراض اضطراب الأكل الاجتراري

تظهر أعراض اضطراب الأكل الاجتراري بشكل متنوع، وتتراوح شدتها بين الأفراد، لكنها جميعًا تتعلق بنمط الأكل غير الطبيعي والتحكم المحدود في الطعام. من أبرز الأعراض شعور المريض برغبة قوية وغير قابلة للكبح في تناول كميات كبيرة من الطعام خلال فترة قصيرة، غالبًا ما تكون ساعات قليلة. يترافق ذلك مع شعور بعدم القدرة على التحكم أثناء الأكل، حيث يشعر الفرد أنه لا يستطيع التوقف حتى لو كان ممتلئًا.

بعد انتهاء النوبة الغذائية، يصاحب المريض شعور بالذنب، الخجل، أو القلق الشديد حول وزنه وصورته الذاتية. يلاحظ أيضًا تناول الطعام بسرعة كبيرة، دون تمييز النكهات أو الاستمتاع بها، وغالبًا في عزلة لتجنب الانتقاد أو الملاحظة من الآخرين.

قد يعاني المريض من اضطرابات جسدية نتيجة الإفراط في الأكل، مثل آلام البطن، الانتفاخ، عسر الهضم، وزيادة الوزن السريعة أو السمنة. على المدى الطويل، يمكن أن تظهر مشاكل صحية مزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، السكري، اضطرابات الكوليسترول، وأمراض القلب. الجانب النفسي يشمل القلق والاكتئاب، والشعور بعدم الرضا عن الذات، مع تأثير مباشر على العلاقات الاجتماعية والأداء المهني أو الدراسي.

أسباب اضطراب الأكل الاجتراري

تتعدد الأسباب والعوامل التي تسهم في ظهور اضطراب الأكل الاجتراري، وغالبًا ما يكون نتيجة تفاعل عوامل بيولوجية ونفسية وبيئية. أبرز هذه الأسباب تشمل:

  • العوامل الوراثية: وجود تاريخ عائلي لاضطرابات الأكل أو السمنة يزيد من احتمالية الإصابة.
  • العوامل النفسية: القلق المزمن، الاكتئاب، أو اضطرابات المزاج قد تسهم في تفاقم السلوكيات الغذائية.
  • الصدمات والتجارب السلبية المبكرة: مثل التعرض للإساءة أو التنمر أو فقدان أحد الوالدين خلال الطفولة.
  • العوامل البيئية: التعرض للمعايير الجمالية الصارمة، الضغط الاجتماعي، أو الثقافة التي تركز على المظهر الجسدي.
  • مشاكل التحكم في الانفعالات: صعوبة التعامل مع التوتر والغضب أو الحزن غالبًا ما تؤدي إلى استخدام الطعام كوسيلة للتكيف النفسي.
  • الاختلالات الكيميائية في الدماغ: مثل اضطرابات الدوبامين والسيروتونين التي تؤثر على الشهية والتحكم في السلوك الغذائي.
  • العادات الغذائية السابقة: الأنظمة الغذائية القاسية أو فترات الصيام الطويلة يمكن أن تحفز نوبات الإفراط في الأكل.

أنواع اضطراب الأكل الاجتراري

يمكن تصنيف اضطراب الأكل الاجتراري إلى أنواع بناءً على نمط النوبات الغذائية وطبيعة الأعراض:

  • النوع المتكرر اليومي: حيث تحدث نوبات الأكل بشكل يومي أو شبه يومي، وتكون مرتبطة بشعور شديد بفقدان السيطرة.
  • النوع الأسبوعي المتقطع: حيث تحدث النوبات مرة أو مرتين في الأسبوع، وقد تترافق مع تحكم نسبي أثناء الأيام الأخرى.
  • النوع العاطفي: يحدث نتيجة التوتر أو القلق أو الاكتئاب، ويكون الطعام وسيلة للتعامل مع المشاعر السلبية.
  • النوع الصامت أو الخفي: يتميز بأكل الطعام في العزلة وبسرية تامة، لتجنب الملاحظة أو الانتقاد.
  • النوع المختلط: يجمع بين النمط المتكرر والنمط العاطفي، ويعتبر الأكثر تحديًا من حيث العلاج.

طرق تشخيص اضطراب الأكل الاجتراري

تشخيص اضطراب الأكل الاجتراري يعتمد على معايير محددة تستند إلى التاريخ الطبي والسلوك الغذائي للمريض. يبدأ التشخيص بجمع معلومات مفصلة عن عدد النوبات، كمية الطعام المستهلكة، شعور المريض بالتحكم أثناء الأكل، والمشاعر المصاحبة بعد كل نوبة.

كما يقوم الطبيب أو الأخصائي النفسي باستبعاد اضطرابات الأكل الأخرى، مثل فقدان الشهية العصبي أو الشره المرضي، وأيضًا الحالات الطبية التي قد تؤثر على الشهية أو الوزن. قد يشمل التشخيص أيضًا تقييم الصحة النفسية للمريض، للكشف عن القلق، الاكتئاب، أو اضطرابات المزاج التي قد تكون مرتبطة بالاضطراب.

استخدام استبيانات متخصصة لاضطرابات الأكل يساعد في تحديد شدة الحالة وتكرار النوبات، ويعد أداة مهمة لوضع خطة علاجية مخصصة لكل مريض. التشخيص المبكر يسمح بالبدء في العلاج السلوكي والدوائي المناسب قبل تطور المضاعفات الجسدية والنفسية طويلة المدى.

طرق علاج اضطراب الأكل الاجتراري

يركز علاج اضطراب الأكل الاجتراري على إدارة النوبات الغذائية وتحسين الصحة النفسية والجسدية، ويشمل مجموعة من الأساليب:

  • العلاج النفسي:
    • العلاج السلوكي المعرفي (CBT) لتعديل التفكير والسلوكيات المرتبطة بالنوبات الغذائية.
    • العلاج السلوكي الجدولي لتخطيط الوجبات ومواعيدها بشكل منظم.
    • العلاج النفسي الفردي أو الجماعي لدعم المريض ومواجهة القلق والاكتئاب المصاحب.
  • العلاج الدوائي:
    • أدوية مضادات الاكتئاب مثل SSRIs قد تساعد في تقليل نوبات الأكل والقلق المصاحب.
    • بعض الأدوية المساعدة على التحكم في الشهية تحت إشراف طبي دقيق.
  • تعديل نمط الحياة:
    • اتباع نظام غذائي متوازن ومنتظم لتجنب الإفراط المفاجئ.
    • ممارسة النشاط البدني المعتدل بشكل منتظم لدعم الصحة الجسدية والنفسية.
    • تعلم استراتيجيات التحكم في التوتر مثل التأمل والتنفس العميق واليوغا.
  • الدعم الاجتماعي والتثقيف:
    • إشراك الأسرة في العلاج لتوفير بيئة داعمة للمريض.
    • الانضمام إلى مجموعات دعم المرضى لتبادل الخبرات والنصائح.
  • المتابعة المستمرة:
    • مراجعات دورية مع الأخصائي النفسي والطبيب لمراقبة التقدم وتعديل الخطة العلاجية عند الحاجة.

طرق الوقاية من اضطراب الأكل الاجتراري

الوقاية من اضطراب الأكل الاجتراري تركز على تعزيز العادات الغذائية الصحية والتوازن النفسي. ينبغي الاهتمام بتناول وجبات منتظمة ومتوازنة، وممارسة النشاط البدني اليومي، وإدارة التوتر بشكل فعال من خلال تقنيات الاسترخاء والتأمل. كما يوصى بتوفير بيئة داعمة للطفل أو المراهق للتعبير عن مشاعره، وتعزيز تقدير الذات بعيدًا عن التركيز على المظهر الجسدي فقط.

التعليم الغذائي المبكر وتوعية الأفراد بمخاطر الأنظمة الغذائية القاسية والممارسات الغذائية غير الصحية تساعد في تقليل احتمالية ظهور الاضطراب. الوعي المبكر بعلامات النوبات الغذائية والانتباه لأي تغييرات في السلوك الغذائي أو الوزن يساهم بشكل كبير في التدخل المبكر وتقليل المضاعفات الجسدية والنفسية.

في الختام

اضطراب الأكل الاجتراري حالة صحية نفسية وجسدية تتطلب فهمًا دقيقًا وتدخلًا متعدد الأبعاد. التعامل مع الاضطراب يحتاج إلى صبر ودعم مستمر من الأسرة والمختصين، لأن النوبات الغذائية المتكررة تؤثر على الصحة البدنية والنفسية والاجتماعية للفرد.

التشخيص المبكر والعلاج السلوكي والنفسي والدوائي، بالإضافة إلى تعديل نمط الحياة والدعم الاجتماعي، يمكن أن يحسن نوعية حياة المرضى بشكل كبير. تظل الوقاية المبكرة من خلال تعزيز العادات الغذائية الصحية، وإدارة التوتر، وتوفير بيئة داعمة، هي الركيزة الأساسية لتقليل تأثير اضطراب الأكل الاجتراري على الأفراد والمجتمع.

المصادر المستعملة لكتابة المقال

منظمات دولية وهيئات طبية

Rumination syndrome – Symptoms and causes – Mayo Clinic

Rumination Syndrome: What It Is, Symptoms and Treatment

مصادر أكاديمية وطبية

Rumination Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf

Rumination Syndrome | Johns Hopkins Medicine

مقالات ومصادر متعمقة

Rumination Disorder: Eating Disorder Explained | Eating Disorders Victoria

عمر مختار

لا يوجد نبذة عن الكاتب بعد.

عرض مقالات الكاتب →

تقييم المقال

لا يوجد تقييمات بعد — كن أول من يقيّم.

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر عدد النجوم ثم اكتب تعليقك.

دعم واتساب رد سريع خلال دقائق