اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين

يُعد اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين من الاضطرابات النفسية الحديثة التي أثارت اهتمام الأخصائيين في مجالات الطب النفسي وعلم النفس الرياضي. فبينما يُنظر عادة إلى ممارسة الرياضة على أنها سلوك صحي ومفيد، قد تتحول في بعض الحالات إلى مصدر قلق وضغط نفسي عندما يتطور لدى الرياضي صورة غير واقعية أو مشوّهة عن شكل جسده. يهدف هذا المقال إلى تعريف القارئ علمياً بهذا الاضطراب بطريقة مبسطة وواضحة، مع توضيح أعراضه، وأسبابه، وأنواعه، وكيفية تشخيصه وعلاجه والوقاية منه.

مفهوم اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين

اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين (Muscle Dysmorphia) هو نوع من اضطرابات صورة الجسد، ويُعرف أحياناً باسم متلازمة العضلات الكبيرة (Bigorexia)، وهو اضطراب يجعل الرياضي – وخاصة من يمارس تمارين كمال الأجسام أو اللياقة البدنية المكثفة – يشعر أن جسده غير عضلي أو غير قوي بما فيه الكفاية، رغم أنه في الحقيقة يمتلك جسداً متناسقاً أو حتى عضلياً بشكل واضح.

يعيش المصاب حالة من الانشغال المفرط بمظهره الجسدي، فيقضي ساعات طويلة في التدريب الصارم، ويتبع أنظمة غذائية مقيّدة للغاية، وقد يلجأ إلى استخدام المكملات أو المنشطات لبناء العضلات بصورة مفرطة.

ويُعد هذا الاضطراب من فئة اضطرابات “صورة الجسد” التي تندرج ضمن الاضطرابات الوسواسية القهرية (OCD Spectrum Disorders)، إذ يتضمن أفكاراً قهرية حول شكل الجسم وسلوكيات متكررة تهدف إلى تصحيحه أو تحسينه.

تكمن خطورة الاضطراب في أنه لا يقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل يمتد ليؤثر على الحياة الاجتماعية، والعاطفية، والأكاديمية أو المهنية للرياضي، نتيجة الانشغال المستمر بمظهر الجسد والخوف من فقدان الكتلة العضلية أو الشكل المثالي.

أعراض اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين

تتعدد أعراض اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين وتظهر على المستويين النفسي والسلوكي. في البداية، يبدأ الشخص بشعور بعدم الرضا عن مظهره الجسدي رغم تمتّعه ببنية قوية وصحية، ثم تتطور الحالة تدريجياً إلى انشغال قهري بشكل الجسد وحجمه.

من الناحية النفسية، يشعر المصاب بقلق دائم من فقدان العضلات أو زيادتها بطريقة غير كافية، ويقارن نفسه باستمرار بالآخرين أو بصور لاعبي كمال الأجسام على وسائل التواصل الاجتماعي. قد يعاني من انخفاض تقدير الذات، ويشعر بالدونية إذا لم يحقق “المظهر المثالي” الذي يتخيله. كما يختبر توتراً شديداً عند تفويت جلسة تدريبية واحدة، أو عند تناول طعام يعتبره “غير صحي”.

أما من الناحية السلوكية، فيميل الشخص إلى قضاء وقت طويل جداً في الصالة الرياضية، وقد يتدرب أكثر من اللازم رغم الشعور بالإجهاد أو الإصابة. كما يُظهر اهتماماً مفرطاً بالطعام، فيزن مكوناته بدقة ويحسب السعرات الحرارية بدقة مفرطة.

يُظهر البعض سلوكيات وسواسية كالنظر المتكرر إلى المرآة لتفقد العضلات أو تجنب المرايا تماماً خوفاً من رؤية “نواقص” جسده. كما قد يعزل نفسه اجتماعياً، ويفضّل البقاء في بيئة التدريب على الخروج أو التواصل مع الأصدقاء، وقد يتجنب المواقف التي تستدعي كشف الجسد (مثل السباحة أو ارتداء ملابس قصيرة) بسبب شعوره المستمر بأنه “ليس مثالياً بعد”.

في بعض الحالات، يلجأ المصاب إلى استخدام مواد أو مكملات لبناء العضلات دون استشارة طبية، مما قد يؤدي إلى مشكلات صحية خطيرة مثل اضطرابات الهرمونات أو تلف الكبد والكلى.

تنعكس هذه الأعراض على جودة الحياة، حيث يشعر الرياضي بأنه محاصر بين رغبته في الكمال وضغوط التدريب، مما يؤدي أحياناً إلى القلق، والاكتئاب، وحتى اضطرابات الأكل المرافقة مثل الإفراط في البروتين أو الامتناع القسري عن الدهون.

أسباب اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين

تتداخل في نشوء اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين مجموعة من العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية، ومن أبرزها:

  • العوامل النفسية: انخفاض تقدير الذات، اضطرابات الوسواس القهري، القلق الاجتماعي، أو التجارب السابقة المرتبطة بالسخرية من المظهر الجسدي في الطفولة أو المراهقة.
  • العوامل الاجتماعية والثقافية: ضغط المعايير الجمالية المنتشرة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، والتي تروّج لصورة “الجسد المثالي” ذي العضلات الضخمة كرمز للجاذبية والقوة.
  • العوامل البيولوجية: اضطراب في كيمياء الدماغ، خاصة في نظام السيروتونين والدوبامين المرتبطين بالتحفيز والمكافأة، مما يجعل الفرد أكثر عرضة للسلوك القهري.
  • العوامل الرياضية: طبيعة بعض الرياضات التي تركز على الشكل الجسدي، مثل كمال الأجسام واللياقة البدنية، والتي تعزز التقييم الذاتي القائم على المظهر.
  • العوامل الوراثية: وجود تاريخ عائلي من اضطرابات صورة الجسد أو اضطرابات الوسواس القهري أو اضطرابات الأكل.
  • استخدام المكملات والمنشطات: بعض المواد تؤثر على التوازن الهرموني وتزيد من السلوك الاندفاعي والمزاج الوسواسي، مما يسهم في تفاقم الحالة.

أنواع اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين

يمكن تصنيف اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين إلى عدة أنواع بحسب السلوك المسيطر والدافع الأساسي:

  • النوع العضلي: حيث ينشغل الشخص بشكل مفرط بحجم عضلاته ويعتقد أنه ضعيف أو صغير رغم تمتّعه ببنية قوية.
  • النوع الجمالي: يتمثل في التركيز على التناسق الجسدي أو شكل أجزاء معينة من الجسم (كالصدر أو الذراعين أو البطن).
  • النوع المرتبط بالأداء: حيث يهتم الفرد بقدرته الرياضية أكثر من شكله، لكنه يشعر بأنه غير كافٍ جسدياً لتحقيق الأداء الأمثل.
  • النوع الغذائي: يتميز بانشغال قهري بالطعام الصحي والمكملات الغذائية، ويُعرف أحياناً باسم “الأرثوريكسيا الرياضية”، أي الهوس بالأكل الصحي المثالي.
  • النوع القهري المختلط: يجمع بين الانشغال بالمظهر، والحمية الصارمة، والتمارين المفرطة، وغالباً ما يكون الأكثر شدة.

طرق تشخيص اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين

يتم تشخيص اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين من خلال تقييم شامل يقوم به الأخصائي النفسي أو الطبيب النفسي، يعتمد على المقابلة السريرية والمعايير التشخيصية المعترف بها في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5).

يتضمن التشخيص ملاحظة مجموعة من السمات الأساسية مثل الانشغال المفرط بفكرة أن الجسم غير متناسق أو ضعيف، رغم وجود دليل واضح على عكس ذلك، مع وجود سلوكيات متكررة كالفحص الدائم في المرآة، أو التدريب القهري، أو مقارنة الذات بالآخرين بشكل مستمر. كذلك يتم تقييم تأثير هذا الانشغال على الحياة اليومية، فإذا أدى إلى تدهور في الأداء الاجتماعي أو المهني أو الدراسي أو الصحي، يتم اعتبار الحالة اضطراباً مرضياً.

قد يُستخدم في التشخيص استبيانات خاصة مثل مقياس تشوّه صورة الجسم للرياضيين (MDDI)، إلى جانب الفحص النفسي العام لتحديد وجود اضطرابات مرافقة مثل القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات الأكل.

من المهم أيضاً التمييز بين الالتزام الصحي باللياقة وبين الاضطراب؛ فليس كل من يهتم بجسمه مصاباً، بل يُعد الاضطراب عندما يصبح الاهتمام هاجساً يسيطر على التفكير والسلوك ويؤدي إلى معاناة نفسية.

طرق علاج اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين

تعتمد خطة العلاج على الحالة الفردية لكل شخص، وتشمل غالباً مزيجاً من الأساليب النفسية والطبية والاجتماعية، ومن أهمها:

  • العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يُعتبر العلاج الأكثر فاعلية، ويهدف إلى تصحيح المعتقدات الخاطئة عن المظهر الجسدي، وتعليم المريض كيفية التعامل مع الأفكار القهرية والسلوكيات المفرطة.
  • العلاج النفسي الفردي: يساعد المريض على استكشاف الأسباب العميقة وراء انشغاله بجسده، ويعزز الثقة بالنفس وتقدير الذات بعيداً عن المظهر.
  • العلاج الجماعي: يتيح تبادل الخبرات مع أشخاص يعانون من نفس الاضطراب، مما يقلل الإحساس بالعزلة ويدعم التغيير السلوكي.
  • العلاج الدوائي: في بعض الحالات الشديدة، يمكن وصف مضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) للمساعدة في تقليل الوساوس والقلق.
  • التثقيف النفسي: توعية المريض حول طبيعة الاضطراب وأثر التمارين المفرطة أو المكملات غير المراقبة، مما يعزز وعيه بسلوكياته.
  • دعم الأسرة: إشراك العائلة في العلاج يساهم في خلق بيئة داعمة ويمنع الانتكاس.
  • إعادة هيكلة نمط الحياة: من خلال تنويع الأنشطة، وتبني أهداف رياضية واقعية، والتركيز على الصحة العامة بدلاً من المظهر فقط.
  • إشراف تغذوي صحي: التعاون مع أخصائي تغذية لتصميم نظام غذائي متوازن دون قيود قهرية.

طرق الوقاية من اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين

الوقاية من اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين تبدأ بالتوعية المبكرة حول مفهوم “الصحة” الحقيقي الذي لا يقتصر على المظهر الخارجي. من المهم أن يُفهم أن القوة الحقيقية لا تُقاس بحجم العضلات فقط، بل بالصحة النفسية والتوازن الجسدي والعقلي.

ينبغي للمؤسسات الرياضية والمدربين أن يشجعوا الرياضيين على تطوير أهداف صحية واقعية بدلاً من مطاردة الكمال الجسدي. كما يجب مراقبة الضغوط الاجتماعية والإعلامية التي تروّج لصورة مثالية غير واقعية للجسد.

من المفيد أيضاً تعليم المراهقين والرياضيين مهارات التعامل مع الضغوط النفسية، وتعزيز احترام الذات بناءً على الأداء والقدرات، وليس على الشكل فقط.كما يجب توجيه الرياضيين لتجنب الاعتماد على المكملات أو الهرمونات دون إشراف طبي، وتثقيفهم حول مخاطرها الجسدية والنفسية.

أما على المستوى الاجتماعي، فتعزيز ثقافة القبول الذاتي وتنوّع الأجسام يمكن أن يساهم في الحد من انتشار الاضطراب بين الرياضيين الشباب الذين يقعون ضحية لمعايير الجمال غير الواقعية.

في الختام

اضطراب تشوه صورة الجسم لدى الرياضيين هو اضطراب نفسي خفيّ يتسلل إلى حياة الرياضي باسم “اللياقة” و”الكمال الجسدي”، لكنه في جوهره معاناة داخلية مرتبطة بعدم الرضا والوسواس المستمر بالمظهر. إن إدراك وجود هذا الاضطراب هو الخطوة الأولى نحو علاجه، فالكثير من الرياضيين يعانون منه دون وعي أو اعتراف، معتقدين أن تدريبهم المفرط هو مجرد التزام باللياقة.

الحقيقة أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الأداء الرياضي، وأن التوازن بين الجسد والعقل هو الهدف الأسمى. بتكامل التوعية، والتشخيص المبكر، والدعم العلاجي، يمكن مساعدة المصابين على استعادة علاقتهم الصحية بأجسامهم وبأنفسهم.

ولذلك، فإن كل مدرب، وكل مؤسسة رياضية، وكل مهتم بالصحة النفسية مدعوّ لنشر ثقافة الوعي حول هذا الاضطراب، حتى لا يتحوّل السعي نحو “الكمال الجسدي” إلى طريقٍ نحو الألم النفسي والمعاناة.

المصادر المستعملة لكتابة المقال

منظمات دولية وهيئات طبية

Prevalence of eating disorder risk and body image distortion among National Collegiate Athletic Association Division I varsity equestrian athletes – PubMed

Athlete Body Image and Eating Disorders: A Systematic Review of Their Association and Influencing Factors

مصادر أكاديمية وطبية

(PDF) Athlete Body Image and Eating Disorders: A Systematic Review of Their Association and Influencing Factors

Body image and eating disorders in aesthetic sports: A systematic review of assessment and risk – ScienceDirect

مقالات ومصادر متعمقة

View of Examining the roles of body image perception on the mental health of female athletes in highly aesthetic sports: A systematic review | Current Issues in Sport Science (CISS)

عمر مختار

لا يوجد نبذة عن الكاتب بعد.

عرض مقالات الكاتب →

تقييم المقال

لا يوجد تقييمات بعد — كن أول من يقيّم.

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر عدد النجوم ثم اكتب تعليقك.

دعم واتساب رد سريع خلال دقائق