يمثل اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء أحد أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا وتعقيدًا في العصر الحديث، خاصة في ظل الانتشار الواسع لمعايير الجمال غير الواقعية التي تروّجها وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية. تعيش المرأة اليوم في بيئة مشبعة برسائل تدعو إلى المثالية الجسدية، مما يجعلها أكثر عرضة للمقارنة المستمرة وعدم الرضا عن مظهرها.
إن اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء ليس مجرد عدم رضا بسيط عن المظهر، بل هو حالة نفسية معقّدة تجعل المرأة ترى عيوبًا مبالغًا فيها أو غير موجودة أصلًا، وتمنح هذه العيوب مساحة كبيرة من التفكير اليومي والمشاعر السلبية.
يصل الأمر لدى البعض إلى تجنب التجمعات الاجتماعية، أو الانشغال المفرط بالمرآة، أو اللجوء إلى عمليات تجميل متكررة، أو اتباع حميات قاسية تهدد الصحة. ورغم خطورة هذا الاضطراب، فإن الكثيرات قد لا يدركن أن ما يعانين منه هو مشكلة نفسية قابلة للعلاج. يسعى هذا المقال إلى تقديم فهم شامل وعلمي لهذا الاضطراب، من خلال دراسة مفهومه وأعراضه وأسبابه وأنواعه وطرق تشخيصه وعلاجه والوقاية منه.
مفهوم اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء
اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء هو اضطراب نفسي يتمثل في انشغال مفرط بعيب متخيل أو مبالغ فيه في المظهر الجسدي، بحيث يرى الشخص – في هذه الحالة المرأة – نفسها بصورة غير واقعية أو مشوهة، رغم أن الآخرين قد لا يلاحظون العيب أو يرونه أمرًا بسيطًا لا يستحق القلق. ويشعر الشخص المصاب بقلق شديد نتيجة هذا الانشغال، مما يؤثر على حياته الاجتماعية والمهنية والعاطفية. يُصنَّف هذا الاضطراب ضمن طيف اضطرابات الوسواس القهري لأنه يتضمن أفكارًا متكررة وسلوكيات قهرية مرتبطة بشكل الجسد.
غالبًا ما تبدأ المشكلة في مرحلة المراهقة أو بداية الشباب، وهي فترة حساسة يتشكل فيها الوعي الذاتي ومعايير الجمال. وترى المرأة المصابة نفسها بشكل مختلف تمامًا عن الواقع، فتفسر ملامحها بطريقة سلبية ومُضخّمة. على سبيل المثال، قد تشعر بأن أنفها كبير جدًا رغم أنه طبيعي، أو أنها بدينة رغم أن مؤشر كتلة الجسم لديها ضمن الحدود السليمة. هذا التصور المشوه لا يرتبط بما يقوله الآخرون لها، لأنه نابع من إدراك داخلي مضطرب.
لا يقتصر الاضطراب على الهواجس العقلية فقط، بل يمتد إلى سلوكيات متكررة مثل التحقق المستمر من المرآة، أو تجنب النظر إلى الجسم، أو إخفاء أجزاء منه بالملابس، أو الانشغال بعمليات التجميل. وتزداد حدة الاضطراب مع مرور الوقت إذا لم يُعالَج، وقد يؤدي إلى القلق والاكتئاب واضطرابات الأكل وانخفاض تقدير الذات. لذلك، يُعد فهم هذا الاضطراب خطوة أساسية نحو توفير الدعم اللازم للنساء اللواتي يعانين منه.
أعراض اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء
تتجلى أعراض اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء في مجموعة من الأفكار والسلوكيات والمشاعر التي تتمحور حول العيب المتصور في المظهر. يظهر القلق عادة في شكل انشغال ذهني مستمر، إذ تقضي المرأة ساعات طويلة يوميًا في التفكير في مظهرها أو تقييم “العيب” الذي تعتقد أنه يشوّه صورتها. ويؤدي هذا الانشغال إلى شعور دائم بالإحراج أو الخجل أو عدم الرضا، حتى في المواقف التي لا تتعلق بالمظهر الخارجي.
وعلى المستوى السلوكي، قد تقوم المرأة بفحص شكلها أمام المرآة بشكل متكرر، أو تتجنب رؤيته تمامًا بسبب الخوف من رؤية “العيب”. وقد تلجأ إلى السعي نحو إخفاء الجزء الذي تعتقد أنه غير مقبول، باستخدام الملابس الفضفاضة أو مستحضرات التجميل أو زوايا محددة في التصوير. وفي حالات أخرى، تزداد محاولات المقارنة مع الآخرين، مما يؤدي إلى تضخيم الشعور بالنقص وعدم الكفاية.
كما تظهر أعراض انسحابية واضحة، مثل تجنب المناسبات الاجتماعية خوفًا من التعليقات أو النظرات، أو الامتناع عن التقاط الصور، أو تجنب الأماكن التي تتطلب ملابس معينة مثل الشاطئ أو النوادي الرياضية. وقد تعاني المرأة أيضًا من أفكار تكرارية قهرية تدفعها إلى إجراء تغييرات متكررة في شعرها أو مكياجها أو ملابسها، أو التفكير المستمر في إجراء عمليات تجميل.
من الناحية النفسية، يرتبط الاضطراب بمشاعر القلق والاكتئاب والضيق الداخلي، وقد يؤدي إلى صعوبة في التركيز أو القيام بالمهام اليومية. وفي الحالات الشديدة، قد يصل الشخص إلى أفكار إيذاء الذات نتيجة الإحباط الشديد من عدم القدرة على تحقيق “الصورة المثالية”. لذلك، تعد الأعراض معقدة ومتداخلة، وتتطلب تقييمًا نفسيًا متخصصًا لتحديد مستواها وتأثيرها على جودة الحياة.
أسباب اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء
- العوامل الوراثية: وجود تاريخ عائلي لاضطرابات القلق أو الوسواس القهري.
- العوامل البيولوجية: اختلال في كيمياء الدماغ، خاصة في النواقل العصبية المرتبطة بالمزاج والوسواس.
- الضغوط الاجتماعية: التعرض المستمر لمعايير الجمال المثالية في الإعلام.
- التنمر أو النقد الجسدي خلال الطفولة أو المراهقة.
- ثقل التوقعات الأسرية المتعلقة بالمظهر أو الوزن.
- العوامل الثقافية التي تربط قيمة المرأة بشكلها الخارجي.
- تجارب سلبية سابقة مثل الانفصال أو الرفض المرتبط بالمظهر.
- ضعف تقدير الذات أو وجود مشاعر نقص منذ الطفولة.
- اضطرابات نفسية مرافقة مثل القلق الاجتماعي أو اضطرابات الأكل.
- شخصيات تميل للكمالية مما يجعل المرأة تسعى دائمًا لتحسين مظهرها.
أنواع اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء
- اضطراب تشويه صورة الوجه: انشغال مفرط بملامح مثل الأنف أو البشرة أو الفك.
- تشويه صورة الوزن والجسم: رؤية الجسم بدينًا رغم كونه في الوزن السليم.
- الهوس بالبشرة: الانشغال بالحبوب، الندبات، أو لون الجلد.
- تشويه صورة الشعر: القلق المفرط بشأن كثافة الشعر أو شكله.
- اضطراب العضلات: شائع في الرجال أكثر، لكنه قد يصيب بعض النساء بانشغال حول النحافة أو العضلية.
- تشويه أجزاء محددة مثل الصدر، الساقين، المعدة، أو اليدين.
- اضطراب تجميلي الحركة: الميل المتكرر لإجراء عمليات أو تعديلات جمالية.
طرق تشخيص اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء
يتم تشخيص اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء عبر تقييم نفسي شامل يجريه مختص في الصحة النفسية. يبدأ التشخيص عادة بمقابلة سريرية تهدف إلى فهم طبيعة الأفكار المتعلقة بالمظهر، ومدى سيطرتها على الحياة اليومية، والسلوكيات المرتبطة بها، مثل تكرار النظر في المرآة أو تجنب الأماكن العامة. يسعى الأخصائي النفسي إلى تحديد ما إذا كان الانشغال يستغرق وقتًا طويلًا يوميًا، وما إذا كان يسبب ضيقًا نفسيًا أو يؤثر على الأداء الاجتماعي أو العملي.
ويعتمد التشخيص على معايير نفسية معتمدة تشمل وجود انشغال دائم بعيب بسيط أو غير موجود، وعدم القدرة على السيطرة على الأفكار المتعلقة به، وممارسة سلوكيات قهرية مرتبطة بالمظهر. كما يتم تقييم التاريخ الطبي والنفسي للمريضة لاستبعاد اضطرابات أخرى قد تتداخل مثل اضطرابات الأكل أو الاكتئاب أو الوسواس القهري.
قد يستخدم المتخصص أدوات تقييم مثل الاستبيانات النفسية الموحدة لقياس شدة الأعراض وتأثيرها على جودة الحياة. وفي بعض الحالات، يتم التعاون مع أطباء الجلدية أو جراحي التجميل للتأكد من عدم وجود مشكلة عضوية حقيقية تسبب الانزعاج. يعتمد نجاح التشخيص على الدقة في طرح الأسئلة وفهم خلفيات المريضة، لأن الكثير من النساء يشعرن بالخجل أو يقللن من أهمية المشكلة. ولذلك، يتطلب التشخيص بيئة داعمة تساعد المرأة على الإفصاح عن قلقها دون خوف أو حكم.
طرق علاج اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء
- العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لتغيير الأفكار المشوهة عن الجسم.
- علاج التعرض ومنع الاستجابة للحد من السلوكيات القهرية المرتبطة بالمظهر.
- العلاج النفسي الفردي لتعزيز قبول الذات وتقديرها.
- الأدوية المنظمة للمزاج عند وجود أعراض وسواس أو اكتئاب مصاحب.
- التثقيف النفسي لفهم طبيعة الاضطراب وآلياته.
- العلاج الأسري لدعم المصابة وتقليل الضغوط.
- التدريب على اليقظة الذهنية لتخفيف التركيز المفرط على العيوب.
- تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتقليل المقارنات.
- إعادة بناء علاقة صحية مع الجسد عبر نشاطات مثل الرياضة أو العلاج الحركي.
- الامتناع عن العمليات التجميلية غير الضرورية لمنع تفاقم الاضطراب.
طرق الوقاية من اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء
تبدأ الوقاية من اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء من بناء علاقة صحية مع الذات وتعزيز تقديرها منذ مراحل الطفولة والمراهقة. تُعد التربية القائمة على قبول الجسد والابتعاد عن المقارنات خطوة أساسية لخفض احتمالية تطور الاضطراب. فكلما تعلمت المرأة أن ترى جسدها بوصفه مصدر قوة ووظيفة وليس مجرد شكل يجب تقييمه، أصبحت أقل عرضة للتأثر بمعايير الجمال المثالية المنتشرة. كما يساهم تشجيع أساليب الحياة الصحية والابتعاد عن التعليقات السلبية حول الشكل أو الوزن في خلق بيئة نفسية سليمة.
يلعب الإعلام دورًا مهمًا في تشكيل صورة الجسد، ومن هنا تأتي الحاجة إلى التعامل الواعي مع المحتوى المرئي والمقارنات على وسائل التواصل الاجتماعي. يمكن للمرأة حماية نفسها من التأثيرات الضارة من خلال اختيار محتوى إيجابي يعزز التنوع الجسدي، وتجنب الحسابات التي تروّج للمثالية المبالغ فيها. كما أن تعزيز مهارات التكيف النفسي، مثل إدارة الضغوط والتعامل مع القلق، يساعد على الوقاية من تطور الأفكار السلبية المتعلقة بالجسد.
في الختام
اضطراب تشويه صورة الجسم لدى النساء هو حالة نفسية مؤثرة ومعقّدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية وثقافية. ورغم انتشاره الواسع، إلا أنه غالبًا ما يتم تجاهله أو التقليل من أهميته، مما يؤدي إلى تفاقم الأعراض وتأثيرها السلبي على جودة الحياة. إن الفهم العميق لطبيعة الاضطراب وأسبابه وأعراضه يساعد على إدراك أنه ليس مجرد عدم رضا عن المظهر، بل حالة تستحق الدعم والعلاج المهني.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Body Dysmorphic Disorder in Women – PubMed
مصادر أكاديمية وطبية
Body dysmorphic disorder (BDD) – NHS
Body dysmorphic disorder – Symptoms and causes – Mayo Clinic


