يُعد اضطراب التوهم المرضي من الاضطرابات النفسية التي أصبحت أكثر شيوعًا في العصر الحديث، خاصة مع انتشار المعلومات الطبية غير الدقيقة وكثرة البحث عبر الإنترنت عن الأعراض الصحية. ففي الوقت الذي يحرص فيه الكثير من الناس على الاهتمام بصحتهم، قد يتحول هذا الاهتمام عند البعض إلى قلق مفرط وخوف دائم من الإصابة بأمراض خطيرة. تؤثر هذه الحالة بشكل كبير في حياة المصاب، إذ قد يشعر بقلق مستمر، ويتردد كثيرًا على المستشفيات، ويخضع لفحوصات لا نهاية لها بحثًا عن إجابة تطمئنه، لكنه لا يجد الراحة النفسية.
ورغم أن هذا الاضطراب لا يتعلق بوجود مرض عضوي حقيقي، إلا أنه يؤدي إلى معاناة نفسية حقيقية يمكن أن تعطل حياة الشخص وتسبب له ضغوطًا كبيرة. تهدف هذه المقالة إلى تقديم معلومات دقيقة ومبسّطة حول مفهوم اضطراب التوهم المرضي، أعراضه، أسبابه، أنواعه، وطرق التشخيص والعلاج، إضافة إلى الطرق الفعّالة للوقاية.
مفهوم اضطراب التوهم المرضي
اضطراب التوهم المرضي هو حالة نفسية تتميز بانشغال زائد بالصحة والخوف المستمر من الإصابة بمرض خطير، رغم غياب الأدلة الطبية التي تشير إلى وجود مشكلة عضوية فعلية. ويُعد هذا الاضطراب جزءًا من مجموعة اضطرابات القلق المتعلقة بالصحة، ويختلف عن الاضطرابات الجسدية الأخرى في أن المخاوف لا تنبع من أعراض جسدية خطيرة، بل من تفسير الشخص الخاطئ لأعراض بسيطة أو طبيعية كعلامة على وجود مرض خطير.
يعود سبب التسمية إلى أن الشخص “يتوهم” بوجود مرض خطير، لكنه في الحقيقة يعاني من اضطراب نفسي يحتاج إلى فهم وتعامل صحيح، وليس مجرد قلق عابر. ويتطلب التعامل مع هذا الاضطراب فهمًا دقيقًا للجانب النفسي، خاصة أن المرضى غالبًا ما يواجهون صعوبة في الاقتناع بأن مشكلتهم نفسية وليست جسدية، مما يستوجب تعاملًا حساسًا ومتوازنًا من الأطباء والمختصين.
أعراض اضطراب التوهم المرضي
تتعدد أعراض اضطراب التوهم المرضي وتتشكل غالبًا في صورة خوف مستمر وقلق مزمن بشأن الصحة، يظهر حتى في غياب أي دليل طبي على وجود مرض خطير. تبدأ الأعراض عادة بانشغال زائد بأي إحساس جسدي بسيط، مثل ألم عابر أو وخز خفيف، ويقوم الشخص بتفسيره فورًا على أنه علامة مقلقة لمرض كبير. ورغم أن هذه الأعراض قد تكون طبيعية أو ناتجة عن الإجهاد، إلا أن الفرد المصاب يرى فيها خطرًا داهمًا، ويستمر في مراقبة جسده طوال اليوم بحثًا عن أي علامة جديدة.
يشعر المريض بحالة دائمة من القلق، وقد يزور العديد من الأطباء لإجراء فحوصات لا تنتهي، ورغم تطمينات الأطباء وظهور نتائج الفحوصات سليمة، إلا أن القلق لا يزول بل قد يزداد مع الوقت. وقد يواجه صعوبة كبيرة في الاقتناع بالنتائج الطبية، ويظل يعيش في فكرة أن هناك خطأ ما لم يتم اكتشافه بعد. هذا القلق المستمر يؤدي إلى إرهاق نفسي وعقلي، وقد يعطل حياته اليومية ويجعله عاجزًا عن التركيز على مهامه.
على المستوى العاطفي، يعاني الشخص من توتر شديد، خوف من المستقبل، التفكير المستمر في احتمالية الإصابة بمرض خطير، وقد تظهر عليه أعراض اكتئابية نتيجة الشعور بالعجز. كما قد يتجنب بعض الأنشطة أو الأماكن خوفًا من تدهور صحته، أو يمتنع عن القيام بجهد بدني لأنه يعتقد أنه قد يسبب له مضاعفات خطيرة.
وأحيانًا يحدث العكس؛ فيصبح الشخص مفرطًا في الاهتمام بصحته، ويمارس سلوكيات طبية بشكل مبالغ فيه، مثل فحص النبض بشكل متكرر، قياس الضغط عدة مرات في اليوم، أو البحث المطوّل عبر الإنترنت عن الأمراض، ما يزيد من قلقه ويعمّق حالته. وقد يدخل في دائرة من البحث المستمر التي تزيد من مخاوفه وتشوه فهمه لطبيعة الأعراض.
تظهر أعراض أخرى مثل صعوبة النوم بسبب كثرة التفكير، فقدان الشهية، أو تدهور المزاج. وقد يتأثر المحيطون به أيضًا، إذ يجدون صعوبة في مواساته أو إقناعه أنه بخير، مما قد يسبب ضغوطًا أسرية واجتماعية. باختصار، يشكل اضطراب التوهم المرضي حلقة مغلقة من القلق وسوء تفسير الأعراض، ويحتاج إلى فهم طبي ونفسي دقيق للخروج منها.
أسباب اضطراب التوهم المرضي
- عوامل نفسية سابقة مثل القلق العام أو الاكتئاب.
- تجارب مرضية شخصية مثل التعرض لمرض خطير في الماضي.
- تجارب مرضية لدى أحد المقربين كوفاة قريب بسبب مرض خطير.
- العوامل الوراثية التي تزيد من احتمالية الإصابة باضطرابات القلق.
- التنشئة الأسرية التي تركز بشكل مبالغ فيه على الأمراض والمخاطر الصحية.
- التعرض المتكرر لمعلومات طبية عبر الإنترنت والتي تزيد القلق الصحي.
- ضعف القدرة على التعامل مع الضغوط النفسية أو الأحداث الحياتية الصعبة.
- تفسير خاطئ للإحساسات الجسدية الطبيعية بسبب الحساسية الشديدة تجاه الجسم.
- التعرض لصدمة نفسية قد تؤدي إلى خوف زائد على الصحة.
أنواع اضطراب التوهم المرضي
- النوع القَلِق على الصحة: حيث يكون التركيز الأساسي على الخوف من الإصابة بمرض خطير.
- النوع الفاحص (Checking Type): حيث يقوم الشخص بفحص جسده باستمرار أو طلب فحوصات طبية متكررة.
- النوع المتجنب (Avoidant Type): يتجنب المصاب زيارة الأطباء خوفًا من اكتشاف مرض خطير.
- النوع المرتبط بحدث صحي سابق: يظهر بعد تجربة مرضية حقيقية انتهت لكن القلق استمر.
- النوع الرقمي (Cyberchondria): نتيجة البحث المفرط عبر الإنترنت عن الأمراض والأعراض.
- النوع المصحوب بأعراض جسدية بسيطة: حيث تُفسَّر أعراض طبيعية كأعراض خطيرة.
طرق تشخيص اضطراب التوهم المرضي
يُشخَّص اضطراب التوهم المرضي من خلال تقييم نفسي شامل يقوم به طبيب نفسي أو أخصائي نفسي سريري. يبدأ التقييم عادة بجمع معلومات دقيقة حول نمط التفكير الذي يعيشه المصاب، ومدى انشغاله المستمر بصحته، وكيف يؤثر هذا الانشغال على حياته اليومية. يسأل المختص المريض عن مدة الأعراض، طرق تفكيره، وسلوكياته المرتبطة بالصحة، مثل كثرة الفحوصات أو تجنبها، والبحث المتكرر عن معلومات طبية.
يجب أن يكون الانشغال بالصحة مستمرًا لستة أشهر أو أكثر، وأن يكون غير متوافق مع الفحوصات الطبية السليمة، حتى يمكن اعتبار الحالة اضطرابًا نفسيًا. كما يستبعد الطبيب أي اضطراب جسدي أو نفسي آخر قد يفسر الأعراض، مثل اضطراب القلق العام أو اضطراب الوسواس القهري.
يساعد التشخيص الصحيح على اختيار العلاج المناسب، خاصة أن كثيرًا من المرضى يترددون في تقبل فكرة أن مشكلتهم نفسية وليست جسدية. من المهم أن يتم التشخيص في بيئة داعمة وغير حُكمية، حتى يشعر المريض بالأمان والقبول، ويسهل البدء في العلاج.
طرق علاج اضطراب التوهم المرضي
- العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لتغيير طريقة التفكير وتفسير الأعراض الجسمية.
- العلاج السلوكي التعرضي لتقليل الخوف من المرض ومواجهة الأفكار غير المنطقية.
- العلاج الدوائي باستخدام مضادات الاكتئاب أو القلق عند الحاجة وتحت إشراف طبي.
- التثقيف النفسي لتوضيح طبيعة الاضطراب وكيفية التحكم في أعراضه.
- تقليل البحث عن المعلومات الطبية لضبط القلق الناتج عن التفسير الخاطئ.
- تقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق وتمارين اليقظة الذهنية.
- العلاج الأسري في حال تأثير الاضطراب على الأسرة أو حدوث سلوكيات مقلقة.
- تنظيم نمط الحياة مثل النوم الجيد، التغذية الصحية، وممارسة الرياضة.
طرق الوقاية من اضطراب التوهم المرضي
تتطلب الوقاية من اضطراب التوهم المرضي تعزيز الوعي النفسي وتطوير مهارات التعامل مع القلق. تبدأ الوقاية من خلال فهم أن الإحساسات الجسدية البسيطة جزء طبيعي من الحياة، وأن تفسيرها بشكل مبالغ فيه قد يخلق دائرة من القلق يصعب الخروج منها. ويساعد التحكم في التعرض للمعلومات الطبية غير الموثوقة، خصوصًا عبر الإنترنت، في تقليل المخاوف الصحية.
كما أن أسلوب الحياة الصحي، الذي يشمل النوم الجيد، ممارسة الرياضة، والتغذية المتوازنة، يساهم في تقوية الصحة النفسية والجسدية ويقلل من التوتر. وقد يساعد التواصل الجيد مع الأطباء في الحد من القلق، عبر تلقي معلومات واضحة وموثوقة.إضافة إلى ذلك، فإن تعزيز مهارات إدارة الضغوط واللجوء للعلاج النفسي عند الحاجة من أهم الخطوات للوقاية، خاصة لدى الأشخاص الذين لديهم قابلية للقلق الصحي.
في الختام
اضطراب التوهم المرضي من الاضطرابات النفسية التي تؤثر بقوة على جودة حياة الفرد، رغم غياب وجود مرض عضوي فعلي. وهذا الاضطراب لا يدل على ضعف، بل يعكس معاناة نفسية حقيقية تحتاج إلى فهم وتعامل علمي دقيق. يساعد التشخيص المبكر والعلاج المناسب على الحد من الأعراض واستعادة التوازن النفسي، فيما تسهم الوقاية والتوعية في تجنب تطور الحالة وزيادة مضاعفاتها.
إن الإدراك بأن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الاهتمام بالصحة العامة خطوة أساسية نحو حياة أكثر استقرارًا. فالتعامل مع اضطراب التوهم المرضي يحتاج إلى وعي وتقبل ودعم، سواء من الشخص نفسه أو من محيطه، مع ثقة بأن العلاج قادر على تحسين الحالة بشكل كبير. ومع الوقت والصبر والمتابعة العلاجية، يمكن للفرد أن يتجاوز مخاوفه ويعيش حياة أكثر طمأنينة وتوازنًا.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Illness Anxiety Disorder (Hypochondria): Symptoms & Treatment
Illness Anxiety Disorder – StatPearls – NCBI Bookshelf
مصادر أكاديمية وطبية
Illness anxiety disorder – Symptoms and causes – Mayo Clinic
What to Know About Hypochondriasis or Illness Anxiety Disorder


