اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني هو أحد الاضطرابات النفسية المزمنة التي تؤثر على الحالة المزاجية وتنظيم الانفعالات، ويُعد من الحالات الشائعة التي تصيب البالغين، كما يمكن أن تظهر لدى المراهقين والشباب في مراحل مبكرة من حياتهم. يتميز هذا الاضطراب بالتناوب بين نوبات من الاكتئاب ونوبات من الهوس الخفيف، والتي تُعرف بمرحلة “الهيبو مانيا”. وعلى الرغم من أن الهوس الخفيف يكون أقل شدة من الهوس الكامل الذي يظهر في النوع الأول، إلا أن اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني يمكن أن يؤثر بشكل كبير على جودة حياة الفرد، ويُصعّب عليه الحفاظ على استقرار العلاقات الاجتماعية والمهنية.
أهمية فهم هذا الاضطراب تكمن في طبيعته المتغيرة وتعقيده؛ إذ قد يختلط مع حالات أخرى مثل الاكتئاب أحادي القطب أو اضطرابات القلق، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص وبالتالي تأخر العلاج. ويشير الباحثون إلى أن نسبة كبيرة من المصابين بالنوع الثاني من اضطراب ثنائي القطب لا يتم تشخيصهم إلا بعد سنوات من ظهور الأعراض، وهو ما يزيد من شدة النوبات وتكرارها. لذا تُعد التوعية بهذا الاضطراب خطوة بالغة الأهمية لفهمه والتعامل معه بشكل فعّال، سواء من قبل الشخص نفسه أو من قبل أسرته والمحيطين به.
مفهوم اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني
اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني هو اضطراب مزاجي يتميز بتذبذبات متكررة بين نوبات اكتئاب شديدة ونوبات هوس خفيف (هيبو مانيا). الهوس الخفيف هو شكل أقل حدة من الهوس، حيث يشعر الشخص بنشاط زائد، وانطلاقة مزاجية، وارتفاع في الطاقة والإنتاجية، ولكن دون فقدان الاتصال بالواقع أو الحاجة إلى الدخول للمستشفى كما يحدث في الهوس الكامل الموجود في النوع الأول من الاضطراب.
في هذا النوع، تكون نوبات الاكتئاب أكثر شدة وتأثيرًا من نوبات الهوس الخفيف، وغالبًا ما تكون السبب الرئيسي الذي يدفع الشخص إلى طلب المساعدة الطبية. يعيش المريض فترة من النشاط والطاقة المرتفعة لفترة محدودة، ثم يعود إلى حالة من الانخفاض الحاد في المزاج، وفقدان الاهتمام، وانعدام الحافز.
يُعد اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني حالة مزمنة تحتاج إلى علاج طويل الأمد وإدارة مستمرة، مثل غيره من الاضطرابات النفسية ذات الخلفية البيولوجية. وتكمن خطورته في أن نوبات الاكتئاب قد تكون شديدة إلى درجة تؤثر في القدرة على العمل، التفاعل الاجتماعي، والتركيز، إضافة إلى زيادة احتمال حدوث أفكار انتحارية لدى بعض المرضى.
أعراض اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني
تظهر أعراض اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني على شكل دورات تمر بين الهوس الخفيف والاكتئاب، ولكل منهما خصائصه. تبدأ نوبة الهوس الخفيف عادة بزيادة ملحوظة في مستوى الطاقة والنشاط، فيبدو الشخص أكثر حيوية، ويتحدث بسرعة، ويشعر بثقة كبيرة بالنفس. قد يزيد الإبداع، وتتحسن القدرة على إنجاز المهام، ويقل الشعور بالحاجة إلى النوم. وعلى الرغم من أن هذه الفترة قد تبدو إيجابية، إلا أن الشخص قد يتخذ قرارات غير مدروسة، أو ينخرط في سلوكيات اندفاعية مثل الإنفاق المفرط أو الدخول في مشاريع دون تخطيط.
بعد انتهاء هذه المرحلة، يدخل الشخص في نوبة اكتئاب قد تكون عميقة. خلال هذه الفترة، يشعر الفرد بانخفاض شديد في الطاقة، وفقدان الرغبة في الأنشطة اليومية، وصعوبة في التركيز، واضطراب في الشهية والنوم. يترافق ذلك مع مشاعر حزن عميق، وانعدام قيمة الذات، وقد يصل الأمر إلى أفكار إيذاء النفس أو الانتحار لدى بعض الأفراد.
يُلاحظ أن نوبات الاكتئاب في النوع الثاني من الاضطراب تكون أطول وأكثر شدة من الهوس الخفيف، مما يجعل الشخص يعاني من تقلبات مزاجية حادة قد تؤثر في حياته المهنية والاجتماعية. وقد تمر فترات من الاستقرار المزاجي بين النوبات، لكن ذلك لا يمنع عودة الأعراض بشكل دوري، وهو ما يتطلب متابعة علاجية منتظمة.
تتداخل هذه الأعراض في بعض الأحيان مع اضطرابات أخرى مثل اضطراب الشخصية الحدية، أو اضطرابات القلق، أو الاكتئاب الشديد. لذلك يحتاج التشخيص إلى دقة عالية لملاحظة نمط التذبذب بين النوبات وليس الاعتماد على أعراض فورية فقط.
أسباب اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني
تتعدد العوامل التي قد تلعب دورًا في ظهور اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني، ومن أبرزها:
- عوامل وراثية: وجود تاريخ عائلي للاضطراب يزيد احتمالية الإصابة.
- اختلالات كيميائية في الدماغ: خلل في النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين.
- عوامل بيولوجية: اختلافات في بنية الدماغ ووظائفه، خاصة المناطق المسؤولة عن المزاج.
- ضغوط نفسية شديدة: مثل فقدان شخص، التعرض لصدمات، أو ضغوط العمل والدراسة.
- أنماط حياة غير منتظمة: اضطرابات النوم، الإدمان، أو الإرهاق المزمن.
- أمراض جسدية: مثل اضطرابات الغدة الدرقية أو أمراض الجهاز العصبي.
- استخدام بعض الأدوية: خصوصًا المنشطات أو مضادات الاكتئاب دون إشراف طبي.
- تجارب الطفولة المؤلمة: مثل الإهمال، سوء المعاملة، أو عدم الاستقرار الأسري.
أنواع اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني
يظهر اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني بعدة أنماط تختلف باختلاف شدة وتكرار النوبات:
- النمط الدوري السريع: ظهور أربع نوبات أو أكثر خلال عام واحد.
- النمط الموسمي: حيث تتكرر النوبات في مواسم معينة مثل الشتاء أو الربيع.
- نوبات اكتئابية بخصائص قلقية: اكتئاب مصحوب بقلق شديد واضطراب في النوم.
- نوبات اكتئابية بخصائص غير نمطية: زيادة في الشهية والنوم مع بطء الحركة.
- نوبات هوس خفيف مختلطة: تداخل بين أعراض الاكتئاب وأعراض النشاط الزائد.
- اضطراب ثنائي القطب مع سمات ذهانية (نادر): ظهور أفكار غير واقعية خلال الاكتئاب.
طرق تشخيص اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني
يعتمد تشخيص اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني على تقييم شامل يقوم به اختصاصي في الصحة النفسية، حيث يتم طرح أسئلة تفصيلية حول تاريخ الأعراض، مدتها، شدتها، وتكرارها. يتم التركيز على التمييز بين الهوس الخفيف والاكتئاب، وتحديد ما إذا كانت نوبات الهوس الخفيف لم تصل إلى حد الهوس الكامل كما يتطلب تشخيص النوع الأول.
يعتمد الأخصائي على معايير تشخيصية معترف بها دوليًا، ويقيم سلوكيات المريض خلال النوبات المختلفة، ويستعين بالمعلومات التي يقدمها الشخص أو أفراد أسرته. يتم أيضًا فحص التاريخ الطبي للتأكد من عدم وجود أمراض جسدية قد تسبب أعراضًا مشابهة، ويُستبعد تأثير الأدوية أو المواد المخدرة التي قد تؤثر في الحالة المزاجية.
من التحديات الشائعة في التشخيص أن المريض قد لا يعتبر أعراض الهوس الخفيف مشكلة، لكونها تمنحه شعورًا بالنشاط أو الإنتاجية، بينما تكون نوبات الاكتئاب هي الأكثر إزعاجًا بالنسبة له. ولهذا قد يُشخّص الشخص خطأً بالاكتئاب فقط، دون الانتباه إلى تاريخه من الهوس الخفيف. تؤدي هذه الأخطاء التشخيصية إلى علاجات غير مناسبة قد تزيد من تقلبات المزاج. لذلك، من المهم إجراء مقابلات نفسية دقيقة قد تشمل التقييم النفسي، والفحص الجسدي، وأحيانًا اختبارات التحاليل إذا لزم الأمر.
طرق علاج اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني
يعتمد علاج اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني على خطة شاملة تهدف إلى تقليل شدة النوبات ومنع تكرارها:
- مُثبتات المزاج: مثل الليثيوم، وتُعد الخيار العلاجي الأساسي.
- مضادات الذهان: تُستخدم أحيانًا للمساعدة في تثبيت المزاج.
- مضادات الاكتئاب: تُستخدم بحذر وتحت إشراف دقيق لتجنب حدوث هوس خفيف.
- العلاج السلوكي المعرفي: لتعليم المريض كيفية التعامل مع التقلبات المزاجية.
- العلاج النفسي الداعم: لتحسين التكيف وإدارة الضغوط اليومية.
- العلاج الأسري: لمساعدة الأسرة على فهم الاضطراب ودعم المريض.
- تثقيف المريض: لتعزيز وعيه بالعلامات المبكرة للنوبات وكيفية التعامل معها.
- تنظيم نمط الحياة: مثل الحفاظ على جدول نوم منتظم وتجنب المنبهات.
- المتابعة طويلة الأمد: لضبط الأدوية ومراقبة التطورات المزاجية.
طرق الوقاية من اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني
لا توجد وسيلة مؤكدة لمنع الإصابة باضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني، خاصة إذا كان مرتبطًا بعوامل وراثية أو بيولوجية، إلا أن الوقاية تهدف بشكل أساسي إلى منع تفاقم الحالة وتقليل عدد وشدة النوبات. تبدأ الوقاية بمعرفة محفزات التقلبات المزاجية وتجنب الضغوط النفسية الشديدة بقدر الإمكان، إضافة إلى الحفاظ على نمط حياة صحي يشمل النوم المنتظم والنشاط البدني وتناول الغذاء المتوازن.
كما يساعد الالتزام بالخطة العلاجية ومراجعة الطبيب بانتظام في السيطرة على الأعراض ومنع الانتكاسات. دور الأسرة مهم أيضًا في توفير بيئة مستقرة وداعمة، وملاحظة أي تغيرات في المزاج أو السلوك. ومن المهم توعية المريض بضرورة تجنب تعاطي المخدرات والمنبهات، لأنها تزيد من اضطراب المزاج وقد تسبب انتكاسة شديدة.
في الختام
اضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني هو اضطراب مزمنيحتاج إلى فهم عميق ووعي مستمر من قبل المريض وأسرته والمجتمع. وعلى الرغم من تعقيده وتقلباته المزاجية التي قد تكون صعبة على الشخص في مراحل معينة من حياته، إلا أن التشخيص المبكر والعلاج الفعّال يمكن أن يحدثا فارقًا كبيرًا في جودة حياة المريض.
من خلال الالتزام بالعلاج الدوائي، والدعم النفسي، وتبني أسلوب حياة صحي، يمكن للمصابين بهذا الاضطراب أن يعيشوا حياة مستقرة ومنتجة. إن تعزيز الوعي بهذا الاضطراب يساعد على التغلب على الوصمة المجتمعية ويشجع على طلب المساعدة، مما يسهم في تحسين الصحة النفسية على مستوى الفرد والمجتمع.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Bipolar II Disorder: Symptoms, Treatments, Causes, and More
Bipolar II disorder: a state‐of‐the‐art review – PMC
مصادر أكاديمية وطبية
Bipolar II disorder: Symptoms, treatments, and more
Bipolar disorder – Symptoms and causes – Mayo Clinic


