اضطراب الشخصية السلبية العدوانية: أسبابه وطرق علاجه

تُعد اضطرابات الشخصية من أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا، لما لها من تأثير مباشر على طريقة تفكير الفرد، واستجاباته العاطفية، وأنماط سلوكه، وعلاقاته مع الآخرين. ومن بين هذه الاضطرابات يبرز اضطراب الشخصية السلبية العدوانية كأحد الأنماط السلوكية التي يصعب فهمها وتشخيصها، نظرًا لطبيعته غير المباشرة في التعبير عن الغضب والرفض.

يظهر هذا الاضطراب في صورة مقاومة خفية، وسلوكيات سلبية، وتعامل غير صريح مع المشاعر العدوانية، مما يسبب توترًا دائمًا في العلاقات الأسرية والمهنية والاجتماعية. وغالبًا ما يُساء تفسير هذه السلوكيات على أنها كسل أو عناد أو سوء نية، في حين أنها قد تكون تعبيرًا عن اضطراب نفسي يحتاج إلى فهم وعلاج متخصص.

مفهوم اضطراب الشخصية السلبية العدوانية

اضطراب الشخصية السلبية العدوانية هو نمط ثابت من السلوكيات التي تتسم بالتعبير غير المباشر عن الغضب، والعدوان، والرفض، من خلال أساليب سلبية بدل المواجهة الصريحة. يعاني الشخص المصاب من صعوبة في التعبير عن مشاعره الحقيقية، خاصة الغضب والاستياء، فيلجأ إلى سلوكيات مثل التسويف، والمماطلة، والتجاهل، والنقد غير المباشر، أو إظهار التعاون الظاهري مع مقاومة داخلية.

يتميز هذا الاضطراب بتناقض واضح بين ما يقوله الشخص وما يفعله، حيث يبدو في الظاهر متعاونًا أو موافقًا، بينما يعبر في السلوك عن الرفض أو العدوان بشكل غير مباشر. وغالبًا ما يشعر المصاب بالظلم أو بعدم التقدير، ويعتقد أن الآخرين يفرضون عليه مطالب غير عادلة.

لا يُعد هذا الاضطراب مجرد سلوك عابر أو سمة شخصية بسيطة، بل هو نمط طويل الأمد يؤثر على الأداء الوظيفي والعلاقات الاجتماعية، وقد يترافق مع اضطرابات نفسية أخرى مثل الاكتئاب، والقلق، واضطرابات الشخصية المختلفة.

أعراض اضطراب الشخصية السلبية العدوانية

تظهر أعراض اضطراب الشخصية السلبية العدوانية بشكل تدريجي، وغالبًا ما تصبح أكثر وضوحًا في المواقف التي تتطلب التزامًا أو تحمل مسؤولية. يعاني المصاب من مقاومة مستمرة لمطالب الآخرين، خاصة تلك التي تأتي من أشخاص في مواقع سلطة، مع شعور داخلي بالغضب والاستياء.

يتجلى هذا الاضطراب في سلوكيات مثل التأخير المتعمد في إنجاز المهام، نسيان الالتزامات، أداء العمل بجودة أقل من المتوقع، أو إبداء الشكوى المستمرة دون محاولة حقيقية للتغيير. كما يظهر الشخص بمظهر المتذمر أو المتشائم، ويكثر من انتقاد الآخرين أو التقليل من جهودهم بطريقة غير مباشرة.

من الناحية العاطفية، يعاني المصاب من توتر داخلي مزمن، وشعور بعدم الرضا، وصعوبة في بناء علاقات مستقرة. وقد يتجنب المواجهة الصريحة، لكنه في الوقت نفسه يعبر عن عدوانيته من خلال السخرية، أو الصمت العقابي، أو الانسحاب العاطفي، مما يؤدي إلى صراعات متكررة وسوء فهم مع المحيطين به.

أسباب اضطراب الشخصية السلبية العدوانية

تتعدد العوامل التي تسهم في نشوء اضطراب الشخصية السلبية العدوانية، وغالبًا ما تكون نتيجة تفاعل عوامل نفسية واجتماعية وتربوية، ومن أبرزها:

  • التنشئة الأسرية الصارمة أو القمعية
  • التعرض المتكرر للنقد أو التقليل من المشاعر في الطفولة
  • غياب نموذج صحي للتعبير عن الغضب
  • الخوف من المواجهة أو فقدان القبول الاجتماعي
  • تجارب مبكرة مع السلطة اتسمت بالظلم أو السيطرة
  • ضعف مهارات التواصل والتعبير العاطفي
  • صراعات داخلية بين الرغبة في الاستقلال والخوف من الرفض
  • اضطرابات نفسية مصاحبة مثل الاكتئاب أو القلق
  • عوامل شخصية تتعلق بانخفاض تقدير الذات

أنواع اضطراب الشخصية السلبية العدوانية

يمكن تصنيف اضطراب الشخصية السلبية العدوانية إلى عدة أنماط فرعية، تختلف في طريقة ظهور السلوك وحدته، ومن أبرزها:

  • النوع المهني: يظهر بشكل واضح في بيئة العمل من خلال المماطلة ومقاومة التعليمات
  • النوع العاطفي: يتمثل في الصمت العقابي والانسحاب في العلاقات الشخصية
  • النوع الاجتماعي: يتجلى في السخرية والنقد غير المباشر في التفاعلات الاجتماعية
  • النوع المختلط: يجمع بين أكثر من نمط حسب الموقف والعلاقة

طرق تشخيص اضطراب الشخصية السلبية العدوانية

يعتمد تشخيص اضطراب الشخصية السلبية العدوانية على تقييم نفسي شامل يجريه مختص نفسي أو طبيب نفسي. يشمل التشخيص مقابلات إكلينيكية معمقة تهدف إلى فهم نمط السلوك طويل الأمد، وطريقة تعامل الشخص مع الغضب والسلطة والعلاقات.

يُراعى في التشخيص استمرارية الأعراض عبر الزمن وفي سياقات مختلفة، وليس فقط في موقف واحد أو علاقة محددة. كما يتم استبعاد الاضطرابات النفسية الأخرى التي قد تفسر السلوك، مثل الاكتئاب الشديد أو اضطرابات القلق.

يُعد تأثير هذه السلوكيات على الأداء الوظيفي، والعلاقات الاجتماعية، وجودة الحياة عنصرًا أساسيًا في عملية التشخيص، إضافة إلى تقييم مستوى الوعي الذاتي والبصيرة لدى الشخص المصاب.

مقال ذو صلة: اضطراب الشخصية المرتابة: أسبابه وطرق علاجه

طرق علاج اضطراب الشخصية السلبية العدوانية

يرتكز علاج اضطراب الشخصية السلبية العدوانية على التدخل النفسي طويل الأمد، ويهدف إلى تعديل أنماط التفكير والسلوك، ومن أبرز طرق العلاج:

  • العلاج السلوكي المعرفي لتحسين الوعي بالسلوكيات السلبية
  • العلاج النفسي الفردي لتعزيز التعبير الصحي عن المشاعر
  • التدريب على مهارات التواصل الحازم
  • العلاج النفسي الديناميكي لفهم الجذور العاطفية العميقة
  • علاج الاضطرابات النفسية المصاحبة مثل الاكتئاب أو القلق
  • الإرشاد الأسري أو الزوجي عند وجود مشكلات علاقية
  • تطوير مهارات إدارة الغضب
  • المتابعة النفسية المنتظمة لمنع الانتكاس

طرق الوقاية من اضطراب الشخصية السلبية العدوانية

تبدأ الوقاية من اضطراب الشخصية السلبية العدوانية في مراحل مبكرة من الحياة، من خلال تنشئة نفسية صحية تشجع على التعبير الصريح عن المشاعر دون خوف أو عقاب. يُعد تعليم الأطفال مهارات التواصل، واحترام مشاعرهم، ومنحهم مساحة للتعبير عن الغضب بشكل آمن، عاملًا أساسيًا في الوقاية.

كما يسهم تعزيز الوعي النفسي لدى البالغين، والتدخل المبكر عند ظهور أنماط سلوكية سلبية متكررة، في الحد من تطور الاضطراب. ويُعد طلب الدعم النفسي خطوة وقائية مهمة تساعد على تحسين جودة الحياة وبناء علاقات أكثر توازنًا وصحة.

في الختام

اضطراب الشخصية السلبية العدوانية هو اضطراب نفسي معقّد يتجاوز كونه مجرد سلوك سلبي أو عناد، إذ يعكس صراعًا داخليًا عميقًا في التعبير عن الغضب والمشاعر. الفهم الصحيح لهذا الاضطراب يساعد على تقليل الوصم، ويفتح المجال أمام التعاطف والتدخل العلاجي الفعّال.

ومع الدعم النفسي المناسب، والعلاج المتخصص، يمكن للأشخاص المصابين تطوير وعي أفضل بذواتهم، وتحسين مهاراتهم في التواصل، وبناء علاقات أكثر استقرارًا وتوازنًا. إن الوعي المبكر وطلب المساعدة في الوقت المناسب يشكلان حجر الأساس نحو صحة نفسية أفضل وجودة حياة أعلى.

المصادر المستعملة لكتابة المقال

منظمات دولية وهيئات طبية

Passive-aggressive behavior: What are the red flags? – Mayo Clinic

The Construct Validity of Passive-Aggressive Personality Disorder – PMC

مصادر أكاديمية وطبية

Passive-aggressive personality disorder: Definition, causes, treatment

Passive-Aggressive Personality Disorder (Negativistic Personality Disorder) | Abnormal Psychology

مقالات ومصادر متعمقة

APA Dictionary of Psychology

عمر مختار

لا يوجد نبذة عن الكاتب بعد.

عرض مقالات الكاتب →

تقييم المقال

لا يوجد تقييمات بعد — كن أول من يقيّم.

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اختر عدد النجوم ثم اكتب تعليقك.

دعم واتساب رد سريع خلال دقائق