يُعد البكاء أحد أكثر السلوكيات الإنسانية تعبيرًا عن المشاعر، إذ يرتبط بالحزن والفرح والخوف والضغط النفسي، ويُعتبر في أغلب الأحيان استجابة طبيعية ومتوازنة للمواقف الانفعالية. إلا أن هذا السلوك قد يخرج عن إطاره الطبيعي ليأخذ طابعًا مرضيًا عندما يصبح مفرطًا أو غير متناسب مع الموقف أو غير قابل للسيطرة. من هنا يظهر ما يُعرف باسم اضطراب البكاء الهستيري، وهو حالة نفسية معقّدة تندرج ضمن الاضطرابات الانفعالية، وتؤثر بشكل مباشر على حياة الفرد النفسية والاجتماعية والوظيفية.
مفهوم اضطراب البكاء الهستيري
اضطراب البكاء الهستيري هو حالة نفسية تتميز بنوبات بكاء شديدة ومتكررة، تكون غالبًا غير متناسبة مع المثير أو الحدث الذي تسبب بها، وقد تحدث دون سبب واضح أحيانًا. يُصنَّف هذا الاضطراب ضمن اضطرابات التعبير الانفعالي أو الاضطرابات التحويلية في بعض التصنيفات النفسية، حيث تتحول الضغوط والصراعات النفسية الداخلية إلى أعراض سلوكية أو جسدية ظاهرة.
في هذا الاضطراب، يفقد الشخص القدرة على التحكم في استجابته الانفعالية، فيظهر البكاء بشكل قهري، وقد يصاحبه شعور بالعجز أو الاختناق أو التوتر الشديد. لا يكون البكاء هنا وسيلة طبيعية للتنفيس، بل يصبح عرضًا مرضيًا يعكس خللًا في تنظيم المشاعر والتعامل مع الضغوط النفسية.
يختلف اضطراب البكاء الهستيري عن الاكتئاب أو القلق، رغم وجود تداخل في بعض الأعراض، إذ يتميز بطابعه الانفعالي المفاجئ وبحدوث نوبات واضحة قد تنتهي فجأة كما بدأت. كما أن الشخص المصاب قد يكون واعيًا بأن استجابته مبالغ فيها، لكنه يعجز عن إيقافها.
أعراض اضطراب البكاء الهستيري
تظهر أعراض اضطراب البكاء الهستيري في صورة تفاعل انفعالي قوي يؤثر على السلوك والمشاعر والجسد في آن واحد. يعاني المصاب من نوبات بكاء حادة قد تستمر لدقائق أو لساعات، وغالبًا ما تكون مصحوبة بتوتر نفسي شديد وشعور بالضغط الداخلي. قد يحدث البكاء دون سبب واضح، أو نتيجة موقف بسيط لا يستدعي هذا الكم من الانفعال.
في كثير من الحالات، يصاحب البكاء شعور بالاختناق أو تسارع في التنفس أو رجفة في الأطراف، إضافة إلى إحساس بفقدان السيطرة على المشاعر. قد يشعر الشخص بعدها بالإرهاق الشديد أو الخجل أو الذنب، خاصة إذا حدثت النوبة أمام الآخرين.
كما قد تؤدي هذه النوبات إلى تجنب المواقف الاجتماعية خوفًا من تكرارها، مما يؤثر سلبًا على العلاقات الاجتماعية والأداء الوظيفي أو الدراسي. من الأعراض الشائعة أيضًا التقلب الانفعالي السريع، حيث ينتقل المصاب من حالة هدوء نسبي إلى بكاء شديد خلال فترة قصيرة، دون مقدمات واضحة.
أسباب اضطراب البكاء الهستيري
تتعدد أسباب اضطراب البكاء الهستيري، وغالبًا ما تكون نتيجة تفاعل عوامل نفسية وبيولوجية واجتماعية، ومن أبرزها:
- التعرض لضغوط نفسية مزمنة أو صدمات عاطفية سابقة لم يتم التعامل معها بشكل صحي.
- الكبت الانفعالي المستمر وعدم القدرة على التعبير عن المشاعر بشكل طبيعي.
- اضطرابات القلق أو الاكتئاب المصاحبة، والتي قد تساهم في ضعف تنظيم المشاعر.
- خلل في كيمياء الدماغ المرتبطة بتنظيم الانفعالات، مثل السيروتونين.
- أنماط التربية الصارمة أو غير الداعمة عاطفيًا في مرحلة الطفولة.
- ضعف مهارات التكيف مع الضغوط والمواقف الصعبة.
- وجود تاريخ عائلي لاضطرابات نفسية أو انفعالية.
أنواع اضطراب البكاء الهستيري
يمكن تصنيف اضطراب البكاء الهستيري إلى عدة أنواع بحسب السياق والخصائص السريرية، ومن أبرزها:
- البكاء الهستيري المرتبط بالضغوط النفسية الحادة.
- البكاء الهستيري المصاحب لاضطرابات القلق.
- البكاء الهستيري المرتبط بالاكتئاب غير النمطي.
- البكاء الهستيري التحويلي المرتبط بصدمات نفسية سابقة.
- البكاء الهستيري المتكرر دون سبب واضح (النوع غير المحدد).
مقال ذو صلة: اضطراب نوبات الغضب: أعراضه وطرق علاجه
طرق تشخيص اضطراب البكاء الهستيري
يعتمد تشخيص اضطراب البكاء الهستيري على التقييم السريري الشامل من قبل مختص في الصحة النفسية، مثل الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي الإكلينيكي. يبدأ التشخيص بأخذ تاريخ نفسي وطبي مفصّل، يشمل طبيعة نوبات البكاء، وتكرارها، ومدتها، والعوامل المحفّزة لها، وتأثيرها على حياة الشخص اليومية.
يتم استبعاد الأسباب العضوية أو العصبية التي قد تؤدي إلى اضطرابات مشابهة، مثل بعض أمراض الجهاز العصبي أو الاختلالات الهرمونية. كما يُقيَّم وجود اضطرابات نفسية مصاحبة، مثل الاكتئاب أو القلق أو اضطرابات الشخصية. لا يعتمد التشخيص عادة على اختبار واحد، بل على مزيج من المقابلات السريرية والمقاييس النفسية، مع مراعاة المعايير التشخيصية المعتمدة في الأدلة الطبية الحديثة.
طرق علاج اضطراب البكاء الهستيري
يعتمد علاج اضطراب البكاء الهستيري على خطة متكاملة تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية وتنظيم الاستجابات الانفعالية، وتشمل:
- العلاج النفسي المعرفي السلوكي لتعديل أنماط التفكير والانفعال غير الصحية.
- العلاج النفسي الداعم لمساعدة المريض على التعبير عن مشاعره بأمان.
- العلاج النفسي الديناميكي لمعالجة الصراعات النفسية العميقة.
- التدريب على مهارات تنظيم المشاعر وإدارة الضغوط.
- العلاج الدوائي في بعض الحالات، مثل استخدام مضادات الاكتئاب أو القلق تحت إشراف طبي.
- تمارين الاسترخاء والتنفس العميق لتقليل التوتر أثناء النوبات.
- الدعم الأسري والاجتماعي لتعزيز الشعور بالأمان والتقبّل.
طرق الوقاية من اضطراب البكاء الهستيري
تسهم الوقاية من اضطراب البكاء الهستيري في تعزيز الصحة النفسية العامة والحد من تطور الاضطرابات الانفعالية. تبدأ الوقاية بتعلّم مهارات التعبير الصحي عن المشاعر وعدم كبتها، إضافة إلى تنمية القدرة على التعامل مع الضغوط اليومية بمرونة نفسية.
يساعد الاهتمام بالصحة النفسية منذ المراحل المبكرة من الحياة، وتوفير بيئة داعمة عاطفيًا، على تقليل خطر ظهور هذا الاضطراب. كما أن طلب المساعدة النفسية المبكرة عند الشعور بتوتر مزمن أو اضطراب انفعالي يُعد خطوة وقائية مهمة. الحفاظ على نمط حياة متوازن، يشمل النوم الجيد، والنشاط البدني، والدعم الاجتماعي، يلعب دورًا أساسيًا في الوقاية.
في الختام
يُعد اضطراب البكاء الهستيري من الاضطرابات النفسية التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تعكس تعقيدات داخلية عميقة تتعلق بتنظيم المشاعر والتعامل مع الضغوط النفسية. الفهم الصحيح لهذا الاضطراب يساعد على تقليل الوصمة المرتبطة به، ويشجع المصابين على طلب المساعدة المتخصصة دون تردد.
من خلال التشخيص الدقيق والعلاج المناسب والدعم النفسي المستمر، يمكن السيطرة على الأعراض وتحسين جودة حياة المصاب بشكل ملحوظ. إن تعزيز الوعي النفسي والاهتمام بالصحة العقلية يُعدان حجر الأساس في الوقاية والعلاج، ويساهمان في بناء أفراد أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة تحديات الحياة.
المصادر المستعملة لكتابة المقال
منظمات دولية وهيئات طبية
Pseudobulbar Affect (PBA): Causes, Symptoms & Treatment
Pseudobulbar affect – Symptoms and causes – Mayo Clinic
مصادر أكاديمية وطبية
What to Do When You’re Crying Uncontrollably
Pathological laughing and crying : epidemiology, pathophysiology and treatment – PubMed

